مرحى ... للإتفاق الفلسطيني
الكاتب: سمير الحباشنة – القدس
في خضم المعترك الوعر الذي نمر به كعرب بأزمته المغرقة بالتعقيد- المركبة، العقائدية، السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية، والتي تعبر عن نفسها في اغلب أقطارنا وبالذات الاقطار ذات التأثير كما هي مصر والعراق وسوريا وغيرها، والتي أفضت الى حالة ضعف عام في الجسد العربي، وانشغال أقطارنا المأزومة بمعاناتها الداخلية، وسعي نخبها الى الخروج من السياق الاستثنائي الذي يتميز بالانفلات الأمني أو التراجع الاقتصادي أو الانقسام المذهبي أو الطائفي أو العرقي، والتي أدت بالتالي الى تراجع الاهتمام بالقضايا ذات البعد العربي، بل وتراجع مفاهيمنا التقليدية التي تجمعنا كالأمن العربي والمصير الواحد والقضية الفلسطينية، باعتبارها كانت على الدوام العنصر الذي يجمع العرب ويوحد همومهم ويحسسهم بأن الخطر الذي يهددهم جميعا هو خطر واحد..
وفي خضم التعنت الاسرائيلي والإحساس بالسيطرة المطلقة امام أمة منشغلة بقضاياها الداخلية، بل وإحساسها بأنها القوة التي لا تقهر والأقوى في الاقليم، وبالتالي خروجها على كل القوانين والأعراف الدولية، وتنكرها الكامل للحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني برفضها الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 67 ، وإيغالها في الاستيطان، والتنكر لحق العودة، والاستمرار في بناء جدار الفصل الذي صدرت بحقه قرارات واضحة من المحكمة الدولية، ورفضها الحديث عن حق العودة، بل وضعها لشروط اضافية إفشالا لخطة الوزير الامريكي كيري للسلام، ورهانها على الوقت على اعتبار انه لصالحها وعلى افتراض انه كفيل بتمكينها من فرض الأمر الواقع والاستحواذ على كامل فلسطين، بل وتهديداتها الدائمة لأية امكانية نهوض فلسطيني او عربي ...
في هذا الخضم المؤلم يأتي اتفاق المصالحة الفلسطيني الذي أعلن في غزة بحضور كافة الفصائل الفلسطينية، والاعلان عن انتهاء مرحلة الانقسام، وإعادة اللحمة للشعب الفلسطيني ومؤسساته، منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وهيئاتها، يأتي هذا الحدث التاريخي ليضيء مصباحا في زمن العتمة الذي يخيم على المحيط العربي والفلسطيني في آن معا، فمرحى لهذا الاتفاق الذي أعتقد انه يشكل حجر زاوية أساسي لانطلاقه فلسطينية قوية تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، وتدفعها كأولوية في الاهتمامين الدولي والعربي على حد سواء.
مع التأكيد على ضرورة ألا يقف البحث في تفاصيل تنفيذ هذا الاتفاق حائلا دون تنفيذه، ولنتذكر بأن عمر الانقسام الفلسطيني هو أقل من عقد من الزمن وبالتالي فإن امكانية لملمة الجراح وتوحيد المؤسسات سواء كانت في منظمة التحرير أو السلطة لأمر ممكن اذا ما توفرت الارادة والاستعداد لتنازلات جريئة متبادلة من الجميع..
ولنتذكر بأن الألمانيتين الغربية والشرقية قد انفصلتا لمدة تزيد عن اربعة عقود، في اطار دولتين متضادتين كل منهما تتبع الى معسكر يختلف جذريا مع المعسكر الآخر، وبينهما جدار برلين الشهير الذي قسم الجسد الألماني الى قسمين، ومع ذلك فحين توفرت اللحظة التاريخية والارادة الشعبية والرسمية اتحدت الألمانيتان وتم اعادة ادماج الشعب الألماني ومؤسساته، وتم هدم جدار الفصل .... حتى أضحت ألمانيا اليوم دولة واحدة وأصبح انقسامها ليس الا صفحة في عهدة التاريخ لا غير...
وبعد فإننا كعرب وكأردنيين ننظر الى انجاز أشقاء روحنا وشركائنا في المصير الواحد الى ما تم في غزة كإنجاز تاريخي يرتقي الى مستوى التحديات ويظهر الفلسطينيين كشعب وكقوى نشطة بحجم المسئولية الملقاة عليهم، وهم بذلك يمتلكون ارادة الانتصار والاصرار على حياه ملؤها الكرامة والكفاح من أجل الانعتاق ودحر الاحتلال وإظهار الكينونة الفلسطينية الى حيز الوجود كدولة مستقله على ترابها الوطني ، فيحقق الفلسطينيون أشواقهم التي يرنون اليها.. فمرحى للاتفاق وتحية لمن خطوه ...



