تحت رداء المصالحة..
الكاتب: نبيل عمرو – القدس
لفت نظري اثناء اجتماعات المجلس المركزي الاخيرة، ذلك القدر من البرود والتحفظ الذي احاط بحدث اعلان المصالحة، مع ان الحدث كان طازجا واضواء الاحتفالات به لم تطفأ، تفهمت البرود والتحفظ على انه بمثابة خوف تلقائي، لأن يحدث مع اعلان مخيم الشاطئ ما حدث مع سابقيه.
واتفق هنا مع صديقي ابو مرزوق، الذي كان الاكثر دقة وموضوعية في وصف دوافع ما حدث، وخلاصة وصف ابو مرزوق تؤكد ان الاتفاق جاء نتيجة استفحال مأزق كل طرف، فحماس تواجه اغلاقا مصريا شديد القسوة ، وفتح تواجه مأزق انهيار المفاوضات ، وبالتالي ودون ان يقول ذلك صراحة فان بطل اتفاق مخيم الشاطئ هو المأزق وليس الارادة .
ما اعلن في مخيم الشاطئ، كان خاليا من ذكر المواضيع الاساسية التي كرسها الانشقاق ، ويبدو ان التواقين لنجاح استعراضي، فضلوا اسقاط هذه المواضيع من النقاش او الاشارة اليها في الخلاصات.
واذا كان لهذا الامر من تفسير منطقي وحيد فهو ان اعلان الشاطئ كان رداءً ضروريا لتغطية تواصل صراع الاجندات، والاختلاف على الامور الجوهرية ، وما غاب عن اعلان الشاطئ هو كلمة السر في اخفاق كل الاتفاقات السابقة ، لهذا سنواصل الاستماع الى قصائد المديح من طراز اننا استعدنا الوحدة وسيتواصل في الوقت ذاته الاختلاف على تفسير ما حدث وغاياته، وهنا استبعد تماما التهديدات الاسرائيلية التي اقترنت بعقوبات عاجلة من النوع الذي تعودنا عليه ، ولم نضعه يوما اساسا لمواقفنا وخطواتنا. كما استبعد شروط الرباعية ، لأن الرباعية ذاتها لم تعد على قيد الحياة ، الا انني لا استطيع استبعاد العامل الفلسطيني في انجاح الاتفاق او افشاله، ولقد بدأت مقدمات هذا النوع من الاختلاف بالظهور، من خلال فهم كل طرف للاتفاق ومغزاه ، واول ما يشار اليه في هذا الامر ان الرئيس عباس الذي حاول دعم الاتفاق ، بفرد رداء الاعتدال عليه ، له فهم مختلف عن فهم حماس .
الرئيس عباس اعلن اكثر من مرة بان الحكومة التي سيرأسها او يشكلها هي حكومته، وبديهي ان تعلن التزامها بسياسته، بما في ذلك الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف ، ومن المفترض ان يكون فهم الرئيس عباس لوضع حكومته هو الفهم الصحيح والمنطقي والعملي، فما معنى ان يفرد رداء الشرعية والاعتدال على حكومة تضم قوى تختلف جوهريا معه في امر السياسة التي هي سيدة الامور.
ان فهم حماس للحكومة العتيدة بدا مختلفا تماما ، حين اعلن ابو مرزوق بان الحكومة العتيدة لن تكون حكومة الرئيس، وبداهة ان يلتزم كل طرف من اطراف هذه الحكومة بموقف مرجعياته السياسية ، وفي هذه الحالة يجب ان لايقرأ الامر على انه مجرد اختلاف في الصيغ او في جزئية الحكومة فقط ، فهذا الاختلاف يؤشر بصورة اعمق الى استمرار الصراع الداخلي، وفق مبدأ كل طرف يسعى الى جذب الطرف الاخر لدائرته ، الرئيس عباس يريد حماس قوة رديفة لخطه السياسي المعتدل، ويريد اتحاده معها مُبَرراً امام دول القرار في العالم ، ويريد كذلك ان لا يواجه حيثما يمم وجهه بالقول، انت لا تمثل الكل الفلسطيني ، وفي هذا السياق فان عباس يحتاج الى حماس ليس من اجل مضاعفة الاعباء عليه وانما من اجل تخفيفها ، وحماس من جانبها لا تخفي انها تريد من عباس والسلطة ان يذهبا الى منطقتها، فهي تريد انهاء المفاوضات كنهج وليس كوقائع ، وتريد انهاء التنسيق الامني الذي هو عصب اوسلو او ما تبقى منها ، وتريد كذلك من فتح ان تكون جسرا مأمونا يوصلها الى مصر وغيرها اعتمادا على اعلان الشاطئ ولا اكثر.
الامور بهذه الصورة تجعل من مجرد الاتفاق على الانتخابات ، ليس اكثر من جزئية يمكن ان تقضي عليها المدة الزمنية الطويلة التي تقارب التسعة اشهر ، فعلى اهمية الانتخابات، والتي لا ضمانة في حل استمرار صراع الاجندات المتباينة باجرائها ، الا ان المواضيع الاخرى التي اغفلت من اجل انجاح الاحتفال قد يعيدنا واحد منها ان لم نقل جميعها الى المربعات الاولى.
انني اقول بموضوعية شديدة ، ان من يُنجح هذا الاتفاق او يفشله ليس اسرائيل او امريكا او العرب، وانما تُنجحه او تُفشله حركة حماس ومدى استعدادها للمرونة ، والاقتراب اكثر للاعتدال ليس على مقياس امريكا واسرائيل وانما على مقياس منظمة التحرير والتزاماتها.
اخيرا... آمل ان يفاجئنا الاخوة الذين نقدر لهم جهودهم في العمل ليل نهار من اجل انهاء الانقسام، بانهم تحوطوا للأمر ووضعوا الضمانات الاكيدة من اجل ان لا يكون مصير اعلان الشاطئ كمصير من سبقه.



