«سباق» الاتهامات..
الكاتب: محمد عبيد-القدس
التهافت على سوق الاتهامات، والتسابق في توجيهها بين طرفي أو أطراف أي أزمة، سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية، أثبت فشله بشكل قاطع، على مدى التجارب الإنسانية المتراكمة والمتعاقبة، لكننا للأسف الشديد لا نزال نشهد مع اندلاع أي أزمة، المسرحية ذاتها القائمة على سباق الاتهامات الأثير هذا، الذي لا يكف أطراف الأزمات عن اللجوء إليه بمجرد اندلاعها، وأحياناً كثيرة قبل ذلك، وكأن التجارب والخبرات تصبح بلا معنى أو فائدة أو حتى غير قابلة للاستخدام كقرينة أو أداة قياس وتحليل .
أكثر النماذج خطورة في حروب الاتهامات، يتشكّل عندما تأخذ الأزمة شكل صراع نفوذ دولي، بين قوتين عظميين مثلاً، لكن في ساحة خارجية، وبين أطراف أو طرفين قد لا تكون أي من القوتين الداعمة كل منهما لإحداهما معنية به حتى النهاية، ما يعني أن طرفاً على الأقل سيوظّف لخدمة مصلحة القوة العظمى التي تدعمه، حتى تحين اللحظة التي تقرر فيها الأخيرة أنه بات غير ذي قيمة أو فائدة فتلجأ إلى سحبه من مشهد الأزمة بطريقة مذلّة، أو تتركه لمصيره المحتوم حينئذ، فيغدو رهانه عليها مجرد قصر نظر سياسي ووهم تبدد في لحظته .
الأزمة الأوكرانية بكل ما تحمله من تعقيدات وتفاصيل، تحمل على استشراف مثل هذا السيناريو، الذي سيكون بالتأكيد على حساب الطرف المتكئ على عصا الغرب والولايات المتحدة، التي سرعان ما سيكتشف أنها منخورة ضعيفة ستنكسر تحت ضغط وضعه المتفاقم، أو على الأقل أن الغرب لن يعود معنياً بمجرد تحقيقه الهدف من النفخ في نار هذه الأزمة، المتمثل في تسجيل النقاط ضد روسيا، وإضعافها نسبياً، وليس أدل على ذلك، من تمسك هذا المعسكر بأداة العقوبات الاقتصادية، التي قد ترتد بقوة عليه أيضاً .
إذاً لا رابح في هذا السباق، الكل سيخسر، وستكون الخسائر نسبية لكل طرف من أطراف هذه الأزمة، لكن المتضرر الأكبر سيكون الشعب الأوكراني الذي سيتحول إلى فسيفساء متشظية من المتعصبين المتطرفين، على أسس عرقية ولغوية ومناطقية، وقد تتحوّل الأوضاع إلى نموذج الحرب الأهلية طويلة المدى، التي ستضرب بشكل رئيسي المجتمع الأوكراني، وستحوّل دولته إلى مجرد تابع هامشي يخطط له من في الخارج، ويرسم سياساته أطراف لا تضع في اهتماماتها مصلحته .
السباق مستمر إلى حين، لكن التطورات على الأرض متسارعة، وتحوّل الأزمة إلى حرب بات أمراً واقعاً، ويبدو الوعي إلى ما يحاك من مخططات لتوظيف الأزمة لمصلحة الغرب أو روسيا مفقوداً تماماً، على المستوى الأوكراني الداخلي، أو مغيّباً على أقل تقدير، نتيجة التشبث الأعمى من الطرف الموالي للغرب بالدرجة الأولى بدعايات وأكاذيب الديمقراطية وخيار الشعب .
ليست ديمقراطية تلك التي تحوّل قطاعاً واسعاً من الشعب إلى مجموعة خارجة لا لشيء إلا لأنها طالبت بحقوق وحريات، والاحتجاجات التي غيرت النظام في أوكرانيا، وزعمت أنها تطالب بالعدالة والديمقراطية، تثبت الآن على أيدي من أوصلتهم إلى الحكم أنها كانت مجرد أداة لبناء نموذج حكم مرتبط بالخارج، لا ديمقراطية فيه ولا استقلالية لقراره .



