الاعدام الصامت
الكاتب: رأي الراية
دور الاعلام هو تقديم المعلومات والبيانات للمجتمع بأشكال فنية متعددة من الخبر للقصة الانسانية للحوار الكاشف للحقائق، لذلك تم اعتماد الاعلام كسلطة رابعة تنشر المعرفة التي تشكل الرأي العام وتساهم في وعيه وبناء موقفه ازاء التطورات وتحريكه للمساهمة في الشراكة الوطنية الجماعية التي لا تنتهي بانتهاء التصويت في الانتخابات، بل تمتد من هناك لمشاركة في جمعيات الحقوق وتجمعات الرقابة وجماعات الضغط .
لكن الاعلام اليوم سُلب أهم حقوقه التي تتمثل في الحق في الحصول على المعلومات من مصادرها في السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) والتدقيق في بياناتها من خلال مراكز متخصصة في ادارة المال العام والأعمال والمشاريع والموازنات والصحة والتعليم، مراكز لا تقل أهميتها عن المراكز التقنية لتشريح جثث الضحايا وفحص الادلة وكشف نوعية المخدرات.
فالإعلام بلا معلومات هو عبارة عن طبلة يرقص عليها السياسي، وعمليات تجميل للإدارة الفاشلة والصحة المقصرة والتعليم المتخلف وأجهزة الأمن المتضخمة بالصلاحيات والموازنات والأسرار، وللتدليل على ذلك: كم هي موازنة الزراعة ضمن موازنة حكومة دولة فلسطين العتيدة، وما هي الموازنة المخصصة للأغوار المستهدف ليل نهار، رغم مطالبة الجميع بإنشاء سلطة تطوير الاغوار فضاء فلسطين الاقتصادي الهام والاستراتيجي، هل يعقل تثبيت المواطنين في أرضهم ومواجهة غول الاستيطان بمثل هذه السياسة العامة المترهلة التي تنسجم مع اولويات الوطن في دائرة الاستهداف والمواجهة الحقيقية.
كذلك عدم تقديم المعلومات عن دور حكومة التوافق التي انتظرها الشعب سنوات طويلة لتوحيد الشعب والدولة والاستراتيجيات والتخفيف من أعباء المواطن وازماته المتراكمة، هل التوافق يعني ادارة قطاع غزة بالفيديوكونفرس مع الخوف من اعلان موقف واضح من موظفي الحكومة المقالة الامر الذي جعل القطاع أبعد عن المصالحة، ونقل الانقسام من الطبقة السياسية الى المواطنين وعمل على فرزهم على أساس مصدر الرزق، وجعل كارثة الوطن أزمة مالية لا تحل الا بالمال السياسي الذي مول الانقسام وشروطه الوقحة، لماذا لا يقال بوضوح أن الراتب سيكون على أساس الكفاءة؟ ولماذا لم تشكل وتعتمد حتى الان لجان التقييم التي تعمل بمعايير جادة وشفافة، وبنتائج معلنة أمام الرأي العام، فلا يجوز لإمام مسجد سابق من حماس أو مناضل في فتح ادارة مركز شرطة يحتاج لحقوقيين أو ضباط شرطة أكفاء، كما لا يجوز لزوجة وزير سابق ان تكون ناظرة مدرسة، إن التأجيل من برج عاجي أو الهروب للأمام لعب بأرزاق وأعناق الناس وتأسيس لاقتتال أهلي أمام البنوك، ووصفة للحرب الأهلية.
أضف لذلك تبدأ مشكلة الكهرباء ولا تنتهي في غزة وفواتير شركة القدس دون أرقام دقيقة عن الايرادات والنفقات، وتبقى الأزمة قائمة كأنها وضع طبيعي، كما يهاجم التنسيق الأمني ويدافع عنه دون أن يعلن بوضوح ما هو جدول أعمال التنسيق الضروري بين الاحتلال وشعب محتل، وان اجتماعات ضباطنا مع ضباطهم لها محاضر اجتماعات تعالج قضايا سفر وعلاج وتنقل واقامة وليس جلسات للسمر والغناء، والنتيجة لا معلومات سوى الشتائم وتواتر الكذب.
ونتساءل ما هو مصير مقصات ضرائب غزة وخطط مواجهة التهرب الضريبي والجمركي الذي يمكن في حال ادارته بشكل سليم دعم موازنة حكومتنا بنحو 40 مليون دولار.
طبعا حتى لا نتهم يجب أن يعمل الاعلام بشكل مسئول ومهني متى توفرت المعلومات بيسر وامانة، ليتكامل دور السلطات الأربعة فشعبنا يستحق أن يعلم لأنه أرقى من قيادته حسب وصف الاخيرة الدائم في المهرجانات الخطابية.
وتبقى الحقائق في الحكومة والمصالحة والمنظمة معلومات لـ "الصفوة" من المتنفذين، ويبقى مصير شعب قررت قيادته وقف المفاوضات دون بديل معلن ودون خطة تضم برنامج زمني يجعل الكل شركاء في تقاسم المسؤولية وتحمل الأعباء، نقول ذلك وأكثر حتى لا تستمر القطيعة بين شعب يعيش في محرقة، وقيادة معزولة في وادي سحيق ويتواصل استفراد المحتل بالشعب وقيادته كل على حدا، والنتائج شرخ كبير وشك رهيب وشائعات لا تنتهي وتيه وطني متعمد .. انه اعدام وطن وشعب وقضية بصمت.

