الانقسام لم ينته على أرض الواقع
الكاتب: حديث القدس – القدس
استبشر الفلسطينيون خيرا عندما تم توقيع اتفاقية الشاطىء لإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس قبل شهور قليلة، وتوقع المواطنون أن تعود أجواء التضامن والتوافق بين أكبر فصيلين فلسطينيين، على اعتبار أن الفصائل الأخرى تبارك وتؤيد اتفاق إنهاء المصالحة ولا مشكلة في انضمامها لأي بنية سياسية وطنية تتبلور معالمها بعد تنفيذ المصالحة. كان هذا هو الأمل وهو التوقع لدى قطاع كبير من أبناء شعبنا الذين اهتزت ثقتهم سابقا في عدد من اتفاقيات وتفاهمات المصالحة، وما أكثرها!.
لكن ما حدث خلال الشهرين الماضيين وخلال التجارب المريرة التي مرت بها الضفة الغربية وقطاع غزة أعاد الأمور إلى ما قبل المربع الأول، وإلى أسوأ مما كانت عليه الظروف قبل اتفاق المصالحة الأخير.
وكان المفروض أن يدفع العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة إلى مزيد من التلاحم والتقارب بين أبناء الوطن الواحد والقضية الواحدة والشعب الواحد، ولكن تجري رياح المصالح الإقليمية والدولية والفصائلية بغير ما تتمناه سفينة الشعب الفلسطيني.
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الفصيلين الكبيرين والقيادات فيهما لا تولي المصالحة ولوحدة الوطنية ما تستحقه من اهتمام ، ولا تسعيان لوضع حد لذيول الانقسام وتركته الثقيلة، وتفضل بدلا من ذلك الارتهان للقرارات الخارجية سواء منها ما يعرف بالمحور الأميركي وتوابعه أم المحور القطري التركي وحواشيه. أما وحدة الشعب في مواجهة الأخطار المصيرية التي تتهدد قضيته فآخر ما قد يخطر بالبال لدى الطرفين كما يبدو.
فالمهاترات والجدل العقيم حول المسؤولية عن الخسائر البشرية والدمار في القطاع وما يسمى بقرار الحرب والسلم ورواتب موظفي حكومة حماس المقالة وقضية إعمار القطاع، كلها تدخل في نطاق استمرار ظاهرة الانقسام، ويندرج فيها كون القطاع يدار من قبل ما يوصف بحكومة الظل، وعدم سيطرة حكومة الحمد الله على مقاليد الأمور هناك.
ومن الواضح أن إنهاء الانقسام فعليا يتطلب ما هو أكثر من اتفاق على الورق ينخدع به المواطنون المتفائلون بعد سنوات من اليأس والإحباط. وما هو موجود بالفعل هو نهجان استراتيجيان متناقضان أحدهما تلتزم به السلطة الوطنية الفلسطينية ويعتمد أسلوب التفاوض لتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني، والآخر هو نهج المقاومة المسلحة الذي تسير عليه عدة حركات في القطاع أبرزها حماس والجهاد الإسلامي. وحتى الآن لم يتم التوافق على استراتيجية القواسم المشتركة أو حتى توزيع الأدوار، ومن هنا فكل من الطرفين يسير في طريق معاكس للآخر، ويدعمه محور أقليمي أو دولي مختلف، والالتقاء بين الجانبين يشبه التقاء الخطين المتوازيين في صعوبته أو استحالته.
ولا بد من قدر كبير من الثقة المتبادلة وتصفية الحزازات القديمة والاعتراف بأن أيا منهما لن يستطيع إقصاء الآخر وأن مسألة من يحكم يجب أن يترك البت فيها للشعب في انتخابات حرة- ومن بعد ذلك يتعين بذل جهد كبير للاتفاق على استراتيجية القواسم المشتركة أو توزيع الأدوار بعيدا عن الأحقاد والحساسيات. وهذا هو السبيل الوحيد واقعيا ووطنيا لتصفية ذيول وتركات الانقسام وعودة الوحدة الوطنية الحقيقية التي هي مطلب الشعب الفلسطيني كله للخروج من عنق الزجاجة الحالي المستحكم.

