وهم المصالحة ...
الكاتب: عرفات البرغوثي
لم تكن المرة الاولى التي يتم فيها توقيع اتفاق مصالحة فلسطيني بين طرفي الانقسام ، ولم يكن ما حدث مؤخرا من تصعيد كلامي بينهما بالجديد فقد اعتدنا ان نرى المناكفات الاعلامية والمواقف المعادية كل تجاه الاخر يطلقها هنا او هناك . فالخلاف الفتحاوي الحمساوي خرج من نطاق الاختلاف الداخلي في البيت الفلسطيني منذ زمن ولم يعد من المجدي البحث عن نقاط اتفاق من شأنها ان تشكل تقاطعا يعتمد عليه كأساس لاعادة ترميم البيت الفلسطيني في اطار جبهة موحدة .
لكن ما حدث مؤخرا له ما يميزه من اسباب لترسيخ واقع الانقسام وتماهي تام مع المشروع الاقليمي الذي تديره امريكا ، والذي من الممكن تلخيصه بضرب ثقافة المقاومة في عقول المجتمع الفلسطيني والعربي ، وفرض قبول الكيان الصهيوني كدولة عضو فعال في المنطقة ضمن تحالف مع كل القواعد الامريكية الاخرى . ولم تكن تفجيرات غزة الا البداية العملية لسلسلة تفاعلات ستؤدي الى انهاء الامل الاخير الذي تبدا بعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني ، وحملت معها رسالة مفادها ان لا مكان لاعادة اللحمة الفلسطينية ما دامت ادواتها القائمة ترتمي في احضان التبعية للمحاور المتصارعة في المنطقة تحت الوصاية الامريكية . قطر/ تركيا _ حماس ، السعودية / الامارات _ فتح .
لم توافق " اسرائيل " على ما تم انجازه في تشكيل حكومة وفاق فلسطيني لتدير مرحلة اعادة اعمار غزة على الاقل ، او تسيّر الوضع الداخلي اداريا في الضفة المحتلة ، واعلنت ان على عباس ان يختار بين " السلام والارهاب " ، واعلنت انه ليس بالشريك في عملية التسوية المنشودة . فاستغل الاخير ذكرى رحيل ابو عمار كحدث عاطفي فتحاويا ليقدم المبرر في اتهام حماس بتخريبه بعد ان تم تفجير المنصة وبيوت بعض القادة في فتح غزة . وخرج بخطاب تحريضي مع كل ابواقه الاعلامية " والهباشية " شكلت ارضا خصبة لرفض اي اتفاق مع حماس . وتساوقت الاخيرة مع ذلك في رعونة سياسية تعبر عن عدم مسؤولية وطنية عندما عجزت لغاية الان عن تقديم دليل براءة من التفجيرات وتساوقت مع الخطاب الاعلامي في مسرحية الردح التي كشفت زيف " المصالحة " ...
فالطرفان لم يقتنعا من الاساس بها وكان دافع التوقيع في الشاطئ على اتفاق حكومة الوفاق هو دافع مصلحي لكل منهما ، حيث وقفت فتح امام جدار كبير بوجه الخيار التفاوضي ووقفت حماس امام كارثة انهيار الحلم الاخواني بحكم مصر. الامر الذي دفعهما الى اللجوء لتوقيع اتفاق شكلي في مضمونه المسرحي لم يصمد طويلا بعد ان ظهرت ثغرة في جدار وقف المفاوضات لعباس ، بتدخل الاردن وامريكا مؤخرا لاحتواء الوضع المتفجر في القدس وبعض الضفة والداخل المحتل . فكان الاجتماع الاخير في عمان والذي من المؤكد ان شرطه الاسرائيلي الامريكي والمصلحة الفتحاوية فيه هو الخروج من مسرحية المصالحة مع حماس . واعادة قطار التفاوض على سكته السابقة لمفاوضات تعيد الاعتبار لنتنياهو المهزوم في غزة والمرتبك في القدس والضفة ، وتعيد اللحمة للائتلاف الحكومي الصهيوني الضعيف اصلا منذ تشكيله . وللتنصل من اعادة اعمار غزة بشكل فعلي لما فيه ضرب حاله الانتصار التي شعر بها الغزيون بعد الحرب .
كانت المصالحة في كل توقيع على اتفاق مجرد اداة مصلحية لكلا طرفيها ولم تنبع يوما من قناعة ومسؤولية وطنية بقدر ما كانت تكتيكا للخروج من ازمة معينة لاحد اطرافها . وفي كل مرة كان احد الطرفين يجد مبرراته للخروج منها مرة اخرى ...
وفي المرة الاخيرة كانت المصلحة في التنصل من المصالحة فتحاوية بحته وهذا ليس دفاعا عن حماس ولكنه الواقع الذي يقول ان لا مصلحة لحماس في تعطيلها فتمنع اعادة الاعمار وتعيد قطع رواتب موظفي غزة . وفيه مصلحة فتحاوية في اعادة الهدوء الذي لطالما وعد به عباس في الضفة ونزع فتيل الانفجار على اثر الاعتداءات المتصاعدة على القدس ، والابقاء على شرعيته في العين الاسرائيلية الامريكية ، والمصلحة الاقليمية التي تعبر عن المحور السعودي الاماراتي الاردني ايضا والذي يحاول ابعاد مكونات الاخوان المسلمين عن الدور الفعال في المنطقة .
ان واقع الحال الفلسطيني بادواته القيادية الحالية لا يشيرالى امكانية توفر ارضية حقيقية للمصالحة ، بعد ان اصبح للانقسام مريديه والمستفيدين منه في كلا الطرفين . ولا يشير هذا الواقع القيادي الى وجود نهاية للنفق المظلم الذي وضعتنا فيه اوسلو بعد ان انتجت طبقة حاكمة من الكمبرادور وارباب السلطة ورؤوس الاموال التي ترى في القضية الوطنية واستمرار تأزمها وسيلة للثراء الفاحش واستغلال الالم الفلسطيني لذواتها . وهذا ما يفسر حالة التيه التي اصبحت في لحظات تنسي المواطن الفلسطيني انه تحت احتلال صهيوني ، وتشعره انه في دولة مستقلة وهما وكذبا ، فيعيش حالة انفصام حادة حيث لا هو مقاوم يناضل لحريته وشعبه ولا هو تحت دولة تقدم له ما يحتاج من حقوق المواطنة ، بينما يرى شريحة صغيرة تستفيد وتزداد قوة ومالا بواسطة استمرار هذا الواقع المتأزم محليا واقليميا .
لقد اثبتت التجارب الاخيرة على مدى سنوات الانقسام ان اطرافه غير قادرة ولا معنية بانهائه ، وان استمراره لا يخدم الا فئة انتهازية من الشعب الفلسطيني ، ويخدم الاحتلال بشكل اكبر ويعطي المبرر للاستفراد في كل جزء من فلسطين دون الخوف ان تنصره الاجزاء الاخرى . وهذا ما لامسناه في الحرب الاخيرة على غزة حيث وقفت الضفة متفرجة كالغريب ، وتقف الضفة وغزة متفرجة من جديد على وجع القدس ، بينما الداخل المحتل يحاول اثبات هويته بذاته دون احد ... وانتصار غزة الاخير والذي شكل حلما كبيرا اصبح يتبدد رويدا رويدا عندما وضعت المعركة اوزارها وبدأ الساسة يحاولون جني الثمار، فيما المواطن الغزي يجلس على ركام بيته ينتظر الشتاء ويفكر بالرحيل في عباب البحر الى المجهول ... وابن الضفة يدجّنه الراتب الشهري على الانصياع لحياة القهر من احتلال يزداد شراسة كل يوم ، والانصياع لقوانين الدولة ودفع ضرائبها في خزائن اصحابها المنتفعين ...
ورغم كل ذلك يبزغ بعضا من الامل بين الحين والاخر عندما يعتلي احد الفرسان سيارته ويطارد قطعان المستوطنين ، او يستل اخر سكينه فيلقي الرعب في قلوبهم . ويشع الامل كالشمس من بين غيوم الانحطاط والانقسام والمساومة عندما نستعيد ذكريات المعركة البطولية في غزة قبل ايام لنعيد لذاتنا طاقتها واملها بالغد الذي سيأتي فيه من يعيد البوصلة ويحاكم باسم الشعب كل رموز المرحلة القذرة.

