كُنْتُ مُدْمِناً...
الكاتب: رامي مهداوي
كنت بإجازة لمدة تسعة أيام، إجازة من العمل وأيضاً من استخدام الفيسبوك. وحتى أكون صريحا معكم أعزّائي القرّاء هذه المرة الأولى التي أغلق بها حسابي على الفيسبوك. لم أكن أتخيل بأني أستطيع فعل ذلك؟! خصوصاً بأننا أصبحنا في عصر تعيش التكنولوجيا بنا وتستخدمنا أكثر مما نستخدمها، لدرجة بأننا لا نستطيع العيش بدون إنترنت إلا لساعات معدودة. أي مكان نذهب له نسأل مباشرة "شو الباسوورد؟" "في واي فاي؟".
نعم أنا مدمن فيسبوك .. تويتر.. أدمنت على استخدام وسائل الاتصال المجتمعية الحديثة. أصبح "اللابتوب" أو "الموبايل" من الأجهزة التي أتواجد معها أكثر من أي إنسان/حيوان/جماد. لدرجة كأنني أصبحت أعيش في العالم الافتراضي الرقمي، مع الأخذ بعين الاعتبار بأنني بين الفترة والأخرى أقرر بحزم إغلاق الحساب الخاص بي بسبب ما يظهر الفيسبوك وأتباعه من أمراض مجتمعية مستعصية وكأنني أصبحت أحد المرضى والمدمنين.
أحد التقارير الإحصائية التي نشرها الفيسبوك حول إحصائيات المستخدمين للعام الماضي يظهر النتائج التالية: 1.11 مليار مستخدم نشط شهرياً، 665 مليون مستخدم نشط يومياً، كما وأن مستخدمي الهاتف المحمول "الخلوي، الموبايل" بلغوا 751 مليون مستخدم، وإذا ما قمنا بمقارنة سريعة مع إحصائيات سابقة نجد أن هناك زيادة 26% سنوياً في معدل المستخدمين النشطين يومياً، أي الذين يسجلون دخولهم ولو لمرة واحدة على الأقل على موقع الفيسبوك، أما المستخدمون النشطون شهرياً وهم الذين يدخلون مرة واحدة على الأقل بالشهر زاد عدهم أيضاً بنسبة 23%، لكن النسبة الأعلى بالنمو من نصيب مستخدمي الفيسبوك من خلال الأجهزة المتنقلة حيث زاد عددهم بنسبة 54% .
حالة ادمان الفيسبوك أصبحت أكثر خطورة من إدمان ماده النيكوتين الموجودة بالتبغ وهي المسؤولة عن إدمان التدخين، بالتالي يصبح الجسد "العقل والروح" معتادا على الفيسبوك وهذا الإدمان يكون عضويا ونفسيا اذ ان التزود بالنيكوتين/الفيسبوك في شكل دائم يصبح ملزما لصاحبه من أجل الحفاظ على توازن معين على الصعيد المجتمعي... تحقيق الذات... تفريغ الغضب... عدم الشعور بالراحة... التعبير عن الذات.
أخطر ما في إدمان الفيسبوك هو تزويدك بعادات وتصرفات غير طبيعية بعيدة عن المنطق، ما يجعلك أن تتخيل بأنك الوحيد الذي يمتلك الحقيقة، بالتالي تتحول الى متوهم بأنك الصحيح والآخرين مخطئون، من ناحية ثانية أصبح الفيسبوك وسيلة جديدة للنميمة ... الإشاعات. أصبح الفيسبوك سلاحا جديدا يمتلكه الكل ضد أي شخص ضده.
قبل إغلاقي للفيسبوك بأيام، كنت كتبت على صفحتي الخاصة على الفيسبوك وضمن رسائلي اليومية التي أسميها "شفة قهوة" حول حدث واقعي في العالم الحقيقي الذي أعيشه "أنا" وبعد فترة زمنية بدأت تصلني رسائل فيسبوكية وأخرى مكالمات هاتفية، بعضهم "مبسوط ومكيف" والبعض يعاتب على ما كتبت، لأكتشف بأنهم جميعاً اعتقدوا بأني أقصد "م" لكنهم لا يعرفون بأنه صديقي، لأول مرة أحذف شيئا كتبته خوفاً من أن يعتقد "م" بأنه هو المقصود، وخصوصاً أن ما كتبته كنت سأتمناه له لأن المقصود هم أشخاص يتقاضون راتبهم بالعملة الخضراء، وزلمتنا "م" مسخم الله يقويه. الدرس الذي تعلمته في هذه التجربة البسيطة أولاً: الكثير منّا يعتقد بأن وسائل الاتصال الجماهيري هي العالم الحقيقي لما يحدث حولنا، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن العكس هو ما يجب أن يكون بنقل العالم الحقيقي الى الافتراضي. ثانياً: ليس كل من هو معك بوضعه "لايك _ إعجاب" يكون قصده كذلك.
بكل تأكيد أنا لست من دعاة إغلاق الفيسبوك وغيره، لكن علينا معرفة كيفية التعامل معه، ما يجعله مفيدا لنا وليس مضرا فتكون النتائج عكسية علينا، وأنت وحدك تحدد ما تريد؟ وكيف تريد استخدامه؟ والسبب في استخدامه من حيث: ترفيه، اقتصاد، سياسة، إعلام وأخبار، نشر كتاباتك وصورك، موسيقى، فن، رياضة، تسلية، عائلي، ترويج وإعلانات وعلاقات عامة، حسب طبيعة العمل....الخ. كنت دائماً أجلس مع الأصدقاء والمعارف والأقارب لكن فعلياً أنا لست معهم، أثناء تواجدي في الأنشطة المختلفة من مؤتمر، ورشة عمل، تدريب، عصف فكري، يكون أغلب تركيزي على صفحة الفيسبوك وتوابعه أكثر من النشاط ذاته!! كنت أشاهد أفلام هوليوود بعين وأتصفح التويتر بعين وأتناول الطعام بذات الوقت... فتختلط الأشياء ببعضها البعض. كنت أقرأ كتابا ما وبين صفحة وأخرى أتصفح المواقع الإلكترونية المختلفة!!
على الرغم من معرفتي فيما أريده وكيفية تجنيد ذلك فيما أريد، دون أن أضيع وقتي في أمور لا معنى لها، بكامل إرادتي أقول بأن تجربتي الماضية بإغلاق الفيسبوك لفترة من الزمن، جعلتني أتعالج من حالة الإدمان الالكترونية، سأعود الى العالم الافتراضي لكن ليس كمدمن، سيكون هناك أوقات محددة للتعامل مع العالم الافتراضي، وسأقوم بنشر مقالاتي وشفة قهوة التي أحبها والصور التي تعجبني.... لكن كل شيء بوقته حلو... انتهت مرحلة إدماني... عقبالكم.

