نتنياهو أعلن وفاة حل الدولتين
الكاتب: حديث القدس – القدس
بعد أكثر من عقد على ولادة ما سمي بحل الدولتين، وبعد أن أدى التوسع الاستيطاني المستند للتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، وحتى مجرد وضع خريطة للدولة الفلسطينية التي يفترض أن تقام استنادا لهذا الحل- إلى موت حل الدولتين سريريا منذ عدة سنوات، جاء رئيس الوزراء الاسرائيلي قبل يومين ليعلن عن وفاة هذا الحل، وعن رفضه إقامة الدولة الفلسطينية أو الانسحاب من أي مساحة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبذلك كتب شهادة رسمية اسرائيلية لنهاية حل الدولتين.
والتعامل مع تصريحات نتنياهو على أنها جزء من الحملة الانتخابية، التي ستجري بعد أسبوع في اسرائيل، هو أحد الوجوه الممكنة لتفسيرها، وإن كانت هناك بطبيعة الحال وجوه أخرى. وتتضح الغاية من هذه التصريحات من خلال تتبع المسيرة السياسية لرئيس الوزراء الاسرائيلي، وما أعلنه هو أو المقربون إليه من "إنجازات" منسوبة له.
فبعد إحباط مبادرة البيت الأبيض التي صدرت عقب تولي الرئيس الأميركي باراك اوباما مهامه لفترته الرئاسية الأولى، والتي طالب فيها بوقف الاستيطان في الأراضي المحتلة كلها وفي القدس خاصة، تبجح المقربون منه بالقول إن هذا من أهم إنجازات نتنياهو. وكذلك صدرت تصريحات مماثلة إما عن رئيس الوزراء الاسرائيلي نفسه، أو عن مصادر وثيقة الصلة به، حول نجاحاته في رفض كل المطالب الأميركية المتعلقة بتجميد الاستيطان، ولو حتى لفترة لا تزيد عن الشهرين.
وفي سياق تصريحاته الأخيرة التي أكد فيها رفضه لتقسيم القدس والعودة لحدود العام ١٩٦٧، وأصر على عدم الانسحاب من أي جزء من الأراضي المحتلة، فقد دعم المقربون منه فكرة رفضه لحل الدولتين، وأكدوا أن كل سيرته في منصبه توفر أدلة قاطعة على موقفه الرافض لعملية السلام المرتكزة لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وبهذا فإن الكرة الآن هي في ملعب الجانب الفلسطيني من ناحية، والدول العربية والمجتمع الدولي الضامن لما تسمى بعملية السلام من الجهة الأخرى.
وحتى لو سلمنا، جدلا، بأن المقصود بتصريحات نتنياهو تلك هو اجتذاب اليمين الاسرائيلي المتطرف للتصويت لحزب الليكود، فإن هذه التصريحات لا تخرج عن إطار تصريحاته في الانتخابات السابقة، والتي شكلت برنامجه الانتخابي. والمعروف أن الجمهور الاسرائيلي يتابع برامج مرشحيه الانتخابية ويحاسبهم عليها من خلال صندوق الاقتراع، ولذلك فهم حريصون على الالتزام بهكذا برامج ولا يحيدون عنها بعد نجاحهم في الانتخابات.
وحتى الآن لم تصل الجرأة بأي رئيس وزراء اسرائيلي حد التنصل من حل الدولتين، هكذا علنا وعلى رؤوس الأشهاد، ولو أثناء حملة انتخابية. فبجوار اليمين في اسرائيل هناك الوسط واليسار، لكن رئيس الوزراء الاسرائيلي حول الحملة الانتخابية إلى معركة أيديولوجية واستقطاب بين اليمين المتطرف من ناحية، والوسط واليسار من الناحية الثانية، من خلال التصريح علنا بآرائه السياسية التي قد لا تتفق مع قطاع معين من الناخبين الاسرائيليين، مهما كانت حقيقة قوة أو ضعف هذا القطاع وفعاليته.
والمهم في هذه القضية هو بلورة موقف فلسطيني حاسم تجاه هذه التصريحات، خصوصا من الناحية الدبلوماسية، بحيث لا تمر على العالم مرور الكرام- لأن انعكاساتها على الوضع في المنطقة بالغة الخطورة. ومن الضروري وضع العالم في صورتها، وخصوصا الدول التي ما تزال تعتقد أن نتنياهو يؤمن بحل الدولتين ويلتزم به، وهي قناعة أثبتت ممارسات نتنياهو قبل تصريحاه الأخيرة أنها بعيدة عن الحقيقة والواقع.
وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك لفرض استحقاقات السلام العادل على الحكومة اليمينية الاسرائيلية، لأن وصول رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي إلى الحكم من جديد بعد الانتخابات هو وصفة للجمود والدوران في الحلقة المفرغة في أحسن الأحوال. أما في الأسوأ منها، فهو تحفيز لحالة من التوتر والالاضطراب، وربما العنف، لا يمكن التكهن بعواقبها، أو مدى خطورتها وامتداداتها الإقليمية والدولية.

