36 عاماً
الكاتب: زياد خداش
لا أستطيع مقاومة مشاهدة عرض جديد لفرقة الفنون الشعبية الفلسطينية. لا علاقة للمسألة فقط بالمفاجآت الفنية المتلاحقة للفرقة، أو بالإنعاش الجسدي والعمق الروحي اللذيْن تمنحني إياهما رقصاتها. ثمة سبب آخر، هو قدرة الفرقة على إثبات وتعميق فلسطينيتي المفتوحة على جراح العالم، ومخاوفه وإنجازه وجماله وحزنه. العقل الفني الذي يبتكر ويطور داخل فرقة الفنون يحتاج لوقفات إعجاب متعددة. هذا فريق يدرك بذكاء مستقبلي كبير أن مضي 36 عاماً على تأسيس فرقة الفنون الشعبية، وبقاءَها كل هذه السنوات سيدة من يغني ويرقص، بكل هذه الأناقة والثقافة، ومن يمنح فلسطين كثافة إيقاعها الوطني والعالمي الخاص. وكونها أميرة للوهج والقشعريرة الجماهيرية، ومحافظتها على كل هذه اللياقة الذهنية.
يحتاج ذلك كله منهم خوفاً مضاعفاً على ضرورة صون هذا الإنجاز الكبير، وحرصاً على مزيد من الجماليات، والتنوع في الخلفيات والابتكار في اللغة الإيقاعية، والمغامرات في الرؤية. ثمة زوايا كثيرة نستطيع أن ندخل، من خلالها، إلى فضاءات تراثنا وإيقاعنا، والمراوحة في الزاوية نفسها (والفرقة تعرف ذلك وتدركه) تخنق المتعة العليا، وتدمر الهزة الكونية في الإحساس المحلي. من هنا، إعجابي المستمر بعروض الفرقة على مدار سنوات، تتبعت فيها خيوط تنقلها من بقعة تجريب إلى أخرى، وراقبت حذرها، المفهوم أحياناً، من أفكار وشحطات الطيران فوق أراض إيقاعية قد تخذل وجه التراث وتخدش هيبته، وركضتُ خلف لغتها الجديدة وتجاوزها نفسها، بل وتفوقها على ذاتها ومغامراتها المحسوبة في البحث عن أشكال جديدة دوماً، لا تبتعد على الرؤية التراثية الأصيلة والحداثية لماضينا الإيقاعي الجميل والعميق. وكنت دائماً أحاول أن أكون حريصاً على أن لا أقع صيداً ثميناً في الانفعال العاطفي الوطني التراثي، أمام عروض الفنون التي لا مجال لمقاومة سحرها وطاقتها. وبعد العرض، كان نقاشي العقلاني مع ذاتي ومع بعض الأصدقاء حول: هل استطاعت (الفنون) في هذا العرض الجديد إكسابنا وهجاً إيقاعياً جديداً، وبعداً معرفياً خلاقاً، يراكم ما حفرته في ما مضى من عروض؟
كنت أعرف وأصدقائي أن متعتنا الدافقة كانت، بحد ذاتها، أعمق وأصدق الإجابات. كنت دائماً أغادر قاعة قصر الثقافة حريصاً على الحفاظ على توازني العقلي، على الرغم من الدوار اللذيذ والعاطفي الذي يهزني من أعماق دمي. وكان حرصي العقلي النقدي يبيعني فوراً، في ما يشبه خيانة فادحة الجمال، إلى جنون قلبي، فأُصاب بالنشوة الكبرى، ولأنني لست ناقداً أو مفكراً، بل عاشقاً وشاطحاً ومريداً لحضرة سيدتنا الكبرى (الفنون)، فمن الصعب عدم الانتشاء أمام سحرة وساحرات عروض (الفنون). والانهيار الذي أقصده يعني تماماً هجرة التحليل البارد، في محاولة تنجح دوماً في سحب البساط من العقل الذي يحاول، دوماً، كعادته تعطيل ثروة القلب وعقلنة قلب الثروة الإيقاعية.
في عرض (فرقة الفنون) المفاجئ، في رام الله، قبل أيام، احتفالاً بمرور 36 عاماً على تأسيس الفرقة، سيدة إيقاعنا الوطني والجمالي، كان الشعور عريضاً ومضطرباً وفخماً، ثلاثة أجيال ترقص تباعاً، براعم الفنون وصبايا وشباب الفنون وقدامى الفنون يرقصون أمام الجمهور الغزير، في مشهد عاطفي وطريف يبعث على سعادة الذكريات ودمعها. ثلاثة أزمان ترقص تباعاً، أي هيجان للذاكرة هذا؟! أي تحدٍّ لعقل الزمن؟! الأجساد الكهلة ترقص، والزمن ينحني ويستسلم لفرسان الثغرة التي فُتحت فجأة في جداره. فاتحو الثغرة الكهول تقدموا، واحداً واحداً، بالغناء والطبل والرقص والشبّابة، مبتسمين بأجسامهم التي فوجئت هي الأخرى، في اشتباك مثير ومفاجئ، مع جسد الذكريات. صفقت دموع جمهور قاعة قصر الثقافة، لم يستمر عرض قدامى محاربي الفنون سوى عشرين دقيقة، فغضب الزمن الذي تمت إهانته، قد ينفجر فجأة ويطيح الذكريات والقاعة والجمهور. عودة إذن إلى الحاضر، إلى البراعم والصبايا والشباب، الذين سيكملون مع زمنهم رحلة الجمال الراقص.
المفاجآت الفنية، نضارة فضاء الرقص، عمق الرؤية المعاصرة، مراكمة الفكر الإيقاعي النيّر، تلك أقانيم فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية.

