عودة دور "فلسطينيي 48"
الكاتب: محمد برهومة
قبل ساعات من الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، كان المحامي أيمن عودة، رئيس القائمة العربية المشتركة التي فازت بأربعة عشر مقعدا في الكنيست، يهجس على صفحته على "فيسبوك" بالقول: "مثل كل مواطن وإنسان ديمقراطي، أنا منفعل جدا أنْ أصوّت وأنْ أكون جزءاً من التاريخ ومن نقطة تحول جذري لواقع الجماهير العربية وعامة المواطنين في البلاد. عندما خرجت من بيتي، والذي يبتعد بضعة أمتار عن صندوق الاقتراع، تذكرت أهل القرى غير المعترف بها في النقب، حيث يتوجب عليهم مرور 40 كم كي يصلوا صناديقهم. لكن برغم المحاولات العنصرية لإخراجنا من دائرة التأثير السياسي، سنخرج بجماهيرنا؛ لأننا نؤمن بقدراتنا على تغيير الواقع وبناء غد أفضل". كان أيمن عودة يردد أيضاً قول محمود درويش: "ننتمي لسمائنا الأولى.. وللفقراء في كلّ الأزقّة".
ظاهرة أيمن عودة، ووضوح منطقه السياسي والفوز الذي حققه "فلسطينيو 48"، هو الحدث الأكثر أهمية في الانتخابات الإسرائيلية بعد فوز اليمين وبنيامين نتنياهو. تحقق هذا برغم التخويف والتحريض على العرب من قبل حملة نتنياهو.
لقد بات جليا أنّ فوز اليمين الإسرائيلي بتشكيل الحكومة، يعني تقويض فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، وتعزيز مشروعات البناء الاستيطاني، وتعطيل مسيرة السلام، أو "دفنها"، بتعبير صائب عريقات. وإذا تمكن نتنياهو من تشكيل ائتلاف، فسيقترب -في فترته الرابعة في رئاسة الوزراء- من أن يصبح صاحب أطول فترة في رئاسة الحكومة في تاريخ إسرائيل.
أمام القائمة العربية المشتركة نضال ديمقراطي سلمي طويل ضد التمييز والعنصرية والتهميش. وهي مهمة كانت واضحة أتمّ الوضوح في تصريحات أيمن عودة، وحواراته مع الصحافة الإسرائيلية، قبيل االتصويت. ومن الأمثلة المهمة عليها قوله:
- قلنا، بتواضع، إننا سنكون القوة الثالثة التي لا يمكن تجاهلها، وهذا يتحقق فعلياً.
- كتلتنا ستشكّل قاعدة البديل الأخلاقي والديمقراطي الفعّال والمؤثّر، في مواجهة المعسكر القومي والمعسكر الصهيوني. سنكون مؤثرين كأقلية قومية موحدة، فعشرون بالمئة من المواطنين لن يكونوا حياديين، وإنما مركزيون في قضايا السلام، المساواة، الديمقراطية والعدل الاجتماعي.
- مهمتنا تفويت الفرصة على اليمين كي لا يحرّض علينا، قائمتنا رد على العنصرية والتمييز.
- ثمة ضرورة كبيرة لأن يخوض الفلسطينيون في إسرائيل نضالاً ضمن المجتمع الإسرائيلي للتأثير فيه، والمساهمة في حلّ القضيَّة الفلسطينيَّة حلاً عادلاً، مع رفض دعاوى التَّقوقع والانغلاق القومي.
لقد ثمّن أيمن عودة دور "فلسطينيي 48" الذين اتخذوا قراراً بدعم القائمة المشتركة، معتبراً "الحصول على 14 مقعداً في الكنيست أفضل رد لمحاولات إبعاد هذه الشريحة الفلسطينية عن العمل السياسي، وقتل 2200 فلسطيني في غزة، ومحاولات تهجير العرب ومنعهم من البناء، وسن القوانين العنصرية والفاشية ضدهم".
هذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها الأحزاب العربية الانتخابات التشريعية بقائمة واحدة منذ قيام دولة إسرائيل العام 1948. والـ14 مقعدا، هي نجاح غير مسبوق. لكن يجب عدم المبالغة في افتراض أن العرب، بهذا الفوز، قادرون على تغيير الـ"DNA" للمجتمع الإسرائيلي الذي يتجه إلى اليمين المتشدد أو المعتدل. غير أن هذا لا يلغي أهمية عودة دور "عرب 48" في تعطيل عدد من القوانين العنصرية والطبقية؛ بسبب سياسة نتنياهو نحو تبني سياسة اقتصادية نيو-ليبرالية تعزز الطبقية وتهميش الأقليات والأقل حظا، مدعوما اليوم بنصر انتخابي قام على تخويف الإسرائيليين وإثارة مخاوفهم الأمنية، وتصوير العرب والفلسطينيين كـ"بعبع".

