رحلة إلى لبنان بلد «تعايش الفراغات»
الكاتب: حسن أبو طالب
دفعتنى الظروف إلى زيارة لبنان لغرض المشاركة مع نخبة من أساتذة العلوم السياسية والاجتماع والتاريخ والمهمومين بقضايا الأمة العربية فى وضع جدول عمل بحثى وفكرى لمركز دراسات الوحدة العربية للسنوات الأربع المقبلة. وكانت مناسبة جيدة للقاء أصدقاء قدامى من مختلف التيارات السياسية والأيديولوجية والاقتراب مما يجرى فى هذا البلد الفريد، خاصة مأزق الفراغ الرئاسى الذى يقترب عمره الآن من عام كامل، ولا توجد أى مؤشرات ذات بال على أن اللبنانيين سوف ينتخبون رئيسهم التوافقى قريباً. ورغم تحركات بعض القوى السياسية تحت مظلة الحوار، لا سيما كتلتى «8 آذار» التى يتزعمها حزب الله، و«14 آذار» التى يقودها تيار المستقبل بزعامة سعد الحريرى، فإن التفاهم على انتخاب الرئيس يبدو مستبعداً من أى تفاهم بينهما، وكل ما فى الأمر أن الحوار بين هاتين الكتلتين الكبيرتين يستهدف إشاعة روح تفاؤلية بين الرأى العام اللبنانى، والتأكيد على أنهما حريصان على السلم الأهلى ومنع الانزلاق إلى ما لا يحمد عقباه.
وأياً كان موقف مُحاورك اللبنانى من القضايا الإقليمية والداخلية، فإن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو أن انتخابات الرئاسة اللبنانية مرهونة بمجريات القضية الإيرانية مع الغرب، وبالتوافق أو التفاهم بين إيران والسعودية، وبالوضع الساخن والمستجد فى اليمن، وبما يجرى فى سوريا. ويتفق اللبنانيون على أنه لا أحد فى المنطقة ولا حتى القوى الكبرى يعطى اهتماماً كافياً لهذا الملف اللبنانى، ويرون أنه يمكن تأجيله بعض الوقت، وأن المطلوب من اللبنانيين ألا يسمحوا فقط بأى مواجهات أو تردٍّ أمنى. باختصار لا أحد ينتظر انفراجة يقوم بها اللبنانيون أنفسهم للخروج من هذا الفراغ الرئاسى الذى خلق بدوره نوعاً من الجمود فى تسيير الكثير من شئون الدولة والمؤسسات وعطَّل الكثير من الحاجات الضرورية للمواطنين اللبنانيين أنفسهم.
ووفقاً للدستور اللبنانى فإن حدث فراغ رئاسى تمارس الحكومة أعباء الرئاسة إلى أن يتم انتخاب رئيس جديد. ومنذ أن رفض البرلمان اللبنانى أن يمد للرئيس اللبنانى السابق، ميشال سليمان، فى مايو الماضى، اتفقت القوى السياسية أن تقوم الحكومة بتسيير أعمال الرئاسة من خلال التوافق العام بين كل أعضائها الأربعة والعشرين وزيراً. وهو ما يخالف الدستور اللبنانى الذى أوضح طريقة اتخاذ القرارات الحكومية وفقاً للمادة 65 بأن الحكومة تعمل نيابة عن الرئيس، كما تقوم بالعمل أصالة عن نفسها، أى إذا تعذر التوافق فبالتصويت، وبالتالى يمر القرار فى حالة حصوله على الأغلبية. ورغم نُبل الهدف السياسى من صدور القرارات الحكومية مستندة إلى التوافق التام بين أعضاء الحكومة الذين يمثلون قوى سياسية مختلفة ومستقلين، وبالتالى يغلق الباب أمام أى انفجارات أو توترات سياسية، فإن التجربة أثبتت أن هذه الصيغة تؤدى مباشرة إلى تجميد عمل الحكومة، إذ بمقدور وزير واحد أن يعطل صدور أى قرار، وهو ما حدث بالفعل، ودفع رئيس الوزراء، تمام سلام، إلى إعادة النظر فى صيغة التوافق الكلى هذه، والعودة إلى ما ينص عليه الدستور بالفعل، أى إن تعذر الاتفاق فبالتصويت، وأن يمر القرار بتوافق الثلثين، ولكن الأمر لم يفلح، لأن قرار القوى السياسية ألا تفقد قوة التعطيل، وبالتالى يظل الجمود هو سيد الموقف. وهو ما أدخل لبنان عملياً فى فراغ آخر من نوع جديد وهو فراغ الدور الحكومى، إذ برغم وجود حكومة من حيث الشكل فإنها لا تقوم بدورها ولا تأخذ قرارات تهم البلد وترعى بها حقوق المواطنين.
ومن الفراغات الجديدة المرشحة للحدوث فراغ منصب قائد الجيش اللبنانى، جان قهوجى، الذى ينتهى المد الأول له لمدة عام فى أغسطس المقبل، وهنا تظهر فكرتان؛ أن يُمد للرجل عام آخر على أن يُمد فى الوقت نفسه لباقى القيادات الأمنية التى تنسب مناصبها للمسلمين والشيعة، أو ألا يُمد لأحد، ويتم تعيين قيادات جديدة فى كل المناصب.ولما كان التعيين فى هذه المناصب يتم بناءً على توافقات كبرى من كافة القوى السياسية والطوائف، وهو الأمر المتعذر حالياً بسبب جمود عمل الحكومة، وتعطل البرلمان عملياً، يبدو لبنان مرشحاً لفراغ ثالث، ومن ثم يدخل البلد إلى حالة عدمية مركبة.
وكان من أغرب ما سمعته من أحد القريبين من حزب الله أن مثل هذا الوضع هو أفضل من أن يأتى رئيس لا يؤمن بصيغة الشعب والجيش والمقاومة، وهى صيغة تؤمِّن لحزب الله دوراً سياسياً وأمنياً معاً. ولذا فإن الحزب يقف وراء ترشيح ميشيل عون، رئيس التيار الوطنى الحر، لأنه متحالف معه ويؤمن بهذه الصيغة الثلاثية التى تعترف للمقاومة بدورها فى حماية استقرار لبنان.
وهناك من يرى أن وقوف حزب الله وراء «عون» ليس وقوفاً جاداً، بل أدى بالفعل إلى إخراجه من المعادلة تماماً، ذلك أن المسيحيين فى لبنان ليسوا على قلب رجل واحد فى هذه المسألة، فكل من القوات والكتائب، وهما من المكونات الرئيسية لتحالف 14 آذار، لا يرون فى «عون» مرشحاً مسيحياً مارونياً توافقياً، كما أن كثيراً من المسلمين لا يرونه كذلك، وبالتالى فقد الرجل مبرراً مهماً من مبررات الترشح والحصول على المنصب. ولا يبذل حزب الله أى جهد لإقناع الجانب المسيحى بأن «عون» هو المرشح المناسب، وحجة الحزب أن هذه قضية مسيحية مارونية يحلها المسيحيون أنفسهم، وهى حجة شكلاً تبدو مقبولة، أما مضمونها فإنها تترك «عون» وحيداً فى مواجهة الأطراف المسيحية الأخرى التى لا تقبل به مرشحاً للرئاسة، خاصة بعد أن فشل فى الحوار مع كل من حزبى الكتائب والقوات اللبنانية، ولم يستطع أن يقنع أياً منهما بتأييد ترشحه رئيساً. خاصة أن سمير جعجع، مرشح القوات اللبنانية، لا يرى أى مبرر فى سحب ترشيحه رغم أنه لم يحصل أيضاً على دعم باقى المكونات المسيحية المارونية، ويعتبر أن انسحابه سيؤدى إلى إلقاء المنصب مباشرة فى يد «عون»، وهو ما لن يسمح به.
وفى ظل هذه التعقيدات ما بين جمود الداخل وانتظار تسويات لملفات إقليمية ضاغطة، يبدو التعايش مع فراغ مؤسسة الرئاسة وجمود الحكومة وفراغ محتمل فى مناصب أمنية مهمة هو خيار الضرورة، ويظل السؤال إلى متى يمكن للبنان أن يتعايش مع هذه الفراغات؟ لا أحد لديه إجابة.
نقلاً عن "الوطن"

