النظام العربي فاقد الهمة..!
الكاتب: علاء الدين أبو زينة
يحذّر المراقبون بلا توقف من أن سعي إيران إلى امتلاك قنبلة نووية، قد يطلق العنان لسباق نووي في المنطقة. وتذكر التقارير دولاً عربية ستسعى إلى امتلاك القدرة النووية، بدرجة الأسلحة، في حال استمر البرنامج الإيراني. لكننا نعرف، نحن الداخليين، أن هذا التصور غير واقعي إطلاقاً، لسبب موضوعي: إن النظام العربي الحديث -تاريخياً- فاقد الهمة. إنه لا يجرؤ على اتخاذ قرار بقطع أي شوط وحده، ولا يستطيع أن يداري على شمعة (إذا كان يضيء أي شموع أصلاً)، حتى تشتعل. ولم تشهد أجيالنا حتى لمحة من شيء جوهري لصالح استقلال القرار العربي بما يخدم تقدم الشعوب.
"فاقد الهمة" كتعبير مناسب لوصف النظام العربي، تداعى إلى الخاطر من حكاية للقاص الراحل محمود سيف الدين الإيراني، "ملك الزجاج". وفيها صبيان يعملان أجيرين في فرن. أحدهما يقنع بعمله ووضعه ولا يطمح إلى شيء، ويظل ينام في الفرن، والآخر يغادر مبكراً باحثاً عن آفاق أرحب. يبيع العصير أولاً على عربة، ويبدل الأعمال حتى يفتح لنفسه محل زجاج كبيرا في السوق، يكتب عليه "ملك الزجاج". وعندما يلتقي تاجر الزجاج الغني السمين برفيقه القديم البائس، ويعرف أنه تزوج بنت صاحب الفرن الحولاء وبقي في الفرن، يذكره بما قاله له دائماً: "سوف تظل أجير فرن، لأنك فاقد الهمة".
مثل ذلك الأجير، لم يفعل النظام العربي لتغيير واقع الدونية والهشاشة اللذين حكم بهما على مناطقه ومواطنيه. والآن، يعبر عن إحساسه المتأصل بالهشاشة بالاحتجاج "العنيف" على المشروع النووي الإيراني. وإلى جانب عتاب الغربيين على قبولهم الضمني حتى بمشروع نووي إيراني سلمي، يتجلى عنف الاحتجاج بشن حروب شرسة داخل المنطقة العربية، ضحاياها الوحيدون مواطنون عرب تم إفرادهم لـ"فش الغل" بالنبش على هويتهم الطائفية. ولا يذكر أحد أنه إذا كانت لمواطنينا هؤلاء صلة بإيران، فهي جديدة، بسبب فشل النظام العربي الاستبدادي غير التعددي في احتواء كل مواطنيه، بكل طوائفهم الدينية وانتماءاتهم الفرعية أولاً؛ وبسبب افتعال هذا النظام حرب طوائف داخلية، تحرق المزيد من الضحايا على مذبح بقائه الفردي ثانياً؛ وثالثاً، لأن الإيرانيين لا يمانعون في ملء الفراغات التي يصنعها النظام العربي بينه وبين شرائح مختلفة من رعاياه، في محاولته تفريغ أزمته. وفي النهاية، ما الذي سيضر إيران حقاً لو مات كل الشيعة العرب، وفوقهم السنة العرب؟! ومَن غير المواطنين العرب يذهب ضحية لمحاولة بقايا النظام العربي إنقاذ نفسها بصناعة المزيد من الدول الفاشلة، من ليبيا إلى سورية إلى اليمن؟!
إذا كانوا يختزلون الآن مصائب العرب جميعاً في امتلاك جار -إيران- قنبلة نووية، لأن ذلك سيسرق هيبة وفرصة العرب، فماذا عن قنابل دولة الكيان؟ لماذا لم يقل أحد من المراقبين أن امتلاك "إسرائيل" أسلحة نووية يجب أن يطلق سباق تسلح نووي عند العرب؟ وإذا كان سعي إيران إلى امتلاك أول قنبلة نووية (مجرد سعي لم يصل أبداً إلى مرتبة الحقيقة) يتسبب بكل هذا الخوف والاحتجاج، فماذا عن 85 إلى 200 سلاح نووي تمتلكها الدولة العدوانية الاحتلالية حقيقة في المنطقة؟
إذا كان النظام العربي يبيع الانطباع الزائف بغيرته على أمن مواطنيه من إيران النووية، فإن من المخجل أن يفعل ذلك وهو ساكت عن "إسرائيل النووية" التي تهدد أمنهم كل الوقت حقاً، ولأسباب معروفة. وإذا كان يسوق فكرة إنقاذ شعب عربي من المعاناة، بقصف هذا الشعب نفسه، أو إيفاد كل أفاق ومتطرف إلى أراضيه لتخريبها، فإن الكل يتساءل عن غياب هذه النخوة لرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، الذي لا تخفى مأساته الطويلة على قاص ولا دان. إن عنوان التدخلات العربية الحالية كان دائماً إسقاط نظام أو دعم نظام. أما الناس، فلا يسع هذه التركيبة السلطوية أن تحسب حساباً لهم، بالتكوين!
النظام العربي، الذي لم يسع يوماً للنهوض بنفسه وشعوبه إلى مكانة أعلى وأفق أرحب، سيظل "أجير فرن" -حقيقة ومجازا- لأنه فاقد الهمة. إنه "أجير" عند الآخرين ومستلب لشهوته للسلطة ولن يكون سيداً. وهو يدير الآن -حرفياً- أفراناً يخبز فيها مواطنيه البائسين، في مكان تلو مكان!
نقلا عن "الغد الأردني"

