الأثيوبيون والصهيونية الأوروبية
الكاتب: أحمد جميل عزم
الصدامات التي وقعت في تل أبيب، وكانت حصيلتها الأولية، حتى مساء الأحد، ثلاثين مصاباً؛ غالبيتهم ضباط شرطة إسرائيليون، والبقية من الإسرائيليين الأثيوبيين، بعد احتجاجات بدأها هؤلاء ضد تعسف الشرطة بحقهم، تكشف عن كثير من تفاصيل "قصة إسرائيل" والصهيونية والعنصرية، وقصة الطبقة الرابعة عند الإسرائيليين.
كانت قضية تأسيس دولة لليهود وليدة السياق الأوروبي، ورداً على ما سمي المسألة اليهودية هناك؛ أي التمييز والاعتداءات ضد اليهود. أما في البلدان العربية، فكان اليهود جزءا من النسيج الاجتماعي، خصوصاً في بلدان مثل مصر والمغرب والعراق، حيث كانوا في الفن والأدب والسياسية كغيرهم، وربما كانوا حتى في وضع أفضل نسبياً. وفي فلسطين، يسرد واصف جوهرية؛ الموسيقي المقدسي من نهاية القرن التاسع عشر، عن العيش المشترك بين اليهود والمسلمين والمسيحيين حتى مجيء الصهيونية. ومؤخرا، نشر المؤرخ الإسرائيلي مناحيم كلاين كتاباً متخصصا في هذا "العيش المشترك". وعمليا، كان يهود اليمن ربما اليهود المشرقيين الوحيدين الذين هاجروا لفلسطين على نحو جماعي في القرن التاسع عشر، وبتشجيع أوروبي، وبأهداف معيشية أكثر منها قومية أو دينية، وكانوا أول من حاول الاندماج في الحياة في البلاد والاشتغال في مهن تكفيهم معيشتهم، على عكس اليهود الأوروبيين الذين رأوا وظيفتهم الصلاة نيابة عن يهود العالم في القدس، أو أسسوا مزارع ومجتمعات (كيبوتسات) منفصلة تماماً عن أهل البلاد.
ومع الوقت، تطورت في فلسطين، بعد تأسيس الدولة الصهيونية، ثلاث فئات أو طبقات: الأولى، اليهود الغربيون. والثانية، اليهود الشرقيون. والثالثة، أهل البلاد الأصليون من العرب الفلسطينيين الذين هُجّرت غالبيتهم العظمى بالقوة. فكان "الغربيون" هم أصحاب الحظوة سياسيا واقتصادياً، يليهم "الشرقيون"، ثم العرب.
كان جلب اليهود الشرقيين، بالدرجة الأولى، جزءا من السلوك الوظيفي الدفاعي في إطار المعركة الديمغرافية. وأسس هؤلاء أحزابا خاصة بهم، من أبرزها حركة "شاس"، ليعبروا عن مصالحهم الخاصة ضد تمييز الأوروبيين. لكن قصة جلب يهود أثيوبيا، أو من يعرفون بـ"الفلاشا"، منتصف الثمانينيات، هي فصل آخر مستقل كليا في القصة.
ليست القصة فقط أنّ هؤلاء الأثيوبيين يعاملون أسوأ معاملة، ويُمنحون أقل الوظائف مرتبة؛ إذ تشاهدهم مثلا على المعابر الحدودية مع الأردن (على الجسر)، ويكاد لا يعمل سواهم في التنظيف وجمع القمامة، بل الأكثر من ذلك، أن هناك تقارير مثبتة عن عملية يمكن تسميتها بالتطهير العرقي ضدهم. ففي مطلع العام 2013، تفجرت قضية حقن إسرائيل لليهوديات الأثيوبيات بعقارٍ لمنع الحمل؛ رغما عنهن، أو من دون علمهن. إذ أثبتت جماعات نسائية إسرائيلية أنّ النساء الأثيوبيات حُقن بنحو 57 % من عقار "ديبوبورفيرا" لمنع الحمل، والذي له أعراض جانبية خطيرة، رغم أن نسبة الأثيوبيين في إسرائيل لا تزيد على 2 %.
اللافت في قصة احتجاجات هذا الأسبوع، أنّ الأثيوبيين لم يعبروا عن هوية إسرائيلية أو يهودية في حراكهم؛ فالهتاف الأبرز، كما قالت الصحافة الإسرائيلية، هو: "لا سود، ولا بيض، بل بشر"، أي لم يقولوا كلنا إسرائيليون أو يهود. ونقلت صحيفة "جيروزالم بوست" عن شاب أثيوبي قوله أثناء الاحتجاجات: "لن أستخدم اسمي العبري اليوم"، في دلالة على وجود اسمين له، وعلى رد فعل موجه ضد العبرية.
ربما لن تثير مثل هذه الأنباء والمعلومات رد فعل حقيقيا في الولايات المتحدة الأميركية؛ فعلاوة على الاحتجاجات المشابهة التي اندلعت هناك مؤخرا من قبل أصحاب الأصول الأفريقية ضد الشرطة وتعاملها، والتي شملت مظاهر مشابهة من احتجاجات عنيفة، فإن تشابها آخر ظهر عندما أثير موضوع حق الأثيوبيات؛ إذ أشير في الصحافة إلى أنّه بين العامين 1967 و1987 أعطيت 13 ألف امرأة فقيرة في ولاية جورجيا العقار ذاته، نصفهن من السود. رغم ذلك، فإنّ ما يحدث هو دليل على العنصرية المتفشية في المجتمع الإسرائيلي. ويحتاج العالم أن يعرف ما يحدث عن قرب، وأن يتم الربط بين مختلف قضايا العنصرية الإسرائيلية، وأن يكون واضحاً أنّ هذه هي طبيعة الدولة التي أنشئت، وأن الفلسطينيين وغيرهم هم ضحايا الدولة الصهيونية وفكرها الذي تعبر عنه.
نقلا عن "الغد الأردني"

