حكمُ الشيطان ..!
الكاتب: بقلم : طارق عسراوي
حتما لم يبدأ محمد علان المحامي مرافعة حريته أمام محكمة الجلاد ب " سيدي القاضي " ، كما لا أظنّه أطال التأمُل في نصوص القوانين ليجد ما يعزز دفاعه عن حقه السليب، ولم يهجس فؤاده بإنتظار حكم ينصفه، أظنه ظل صامتا، يجولُ بعينيه قاعة المحكمة و ربما ابتسم حين تلا الجندي المستتر بعباءة القضاء حكمه بالحجز الاداري بحق علّان .
هنا أتساءل، هل يضعون شمعدانا في القاعة أم ميزان ؟ وإذا ما كان ميزانا هل كان معقوفا أم تراه محمولا على جسد البندقيه ؟!
و هل وقف الحضورُ عند تلاوة الحكم ، و لو أنه - و على سبيل الفرض الساقط - قال علّان جملةَ حريته فماذا عساهُ يقول غيرَ
" خذوا حصتكم من دمنا ، و انصرفوا .."
نعم، أعلنَ علّان صمته البليغ، حجته الثابتة في وجه زيف الرواية و الدليل، ومهما بدا كاتب الضبط جاداً الا ان أصابعه لن تقوَى على طباعة أحرف النظرة الثقيلة، و كان اعتلاءه كبوة الصمت لافتا مُرا، هو الذي ينساب لسانه في إيضاح الوقائع و إظهار حجتها بحكم الممارسة و المهنه، الا أن الكلام هناكَ يضفي شرعية على اللامعقول و يمنحُ البطلانَ فرصة بالتداول و النقاش و يتسم محضر الجلسة بالحجيّة ليُستنَدُ إليه في إبرام هذا الوجود الزائف، فلا يؤوّل الصمتُ المكبّل بالسلاسل بيانا، و إنما إعلان عن الإرادة الرافضة للخنوع.
رأيتُ في رؤيايَ، قضاةً اعتلوا المنصة، و حاجِب صاح " محكمة " و أعين ذبلت في انتظرها انتصار الحق على أنياب الباطل ، و بعد انكسار العمر في التجربة بات الانتظار الطويل بزوغ شمس العدالة أشد ظلما و فتكا من غيابها !
لذا ذهب علآن صامتا صوب أسطورته الفذة ، يجتَرحُ حريته خارج منظومة المسرحيةِ " العدالة " ، راسخا اليقين، فبماءٍ و ملح خطّ كلمات مرافعة البليغة..!
مكبلاً ، أعاد طبق الطعام الأول لتتهاوى الأسانيدُ و المنصة و مطرقة السنديان و بدت واضحة الزيف، فخلعَ القضاةُ و الحاجبُ و الحارسُ و الشاهدُ الدليل أقنعتهم و بانت جليّةً سماتُ الشيطان يعتلي المنصّة ..!
و لأنّه المؤمنُ ببذرة الحق التي يقصدها، وهي مكونه الشخصيّ، يَعرف أن سيّد القوانين و الأعراف - قانون الطبيعة - ينصُ على أن الحقوقَ تؤخَذُ أخذاً ولا تُعطى، و حينَ يسعى المريدُ لحقّه تنسجمُ العلّة مع خطاه الواثقةِ و يصير النهجُ سابقةً تُهتدى و الخطوةُ تشريعاً، لذا سنّ بملئ إرادته قواعدَه و أعلنَ الإضراب .
يطوي محمد، أوراقَ الأيامِ في مفكّرة السجن الإداري يوما بعد يوم، و يكتبُ على كل ورقةٍ جملَةً يطمئنُ لها الوجدانُ في صياغة الحكم الحق بين الرصاصة و الضحيةِ ، بين المُحتلّ و القابع تحت جور الإحتلال ، بين الزيفِ و الأصيل، وهو يعرفُ منذُ رفضه اللقمة الأولى أن الحريّة خارج الأصفاد تُعِدُ له ولائمها الشهية، و أن التلال ستنذر حشائشها الطريةِ لغزالٍِ آثر الجوعَ على طُعمِ الشِباك !
ها هو المحامي يُشرفُ على إنهاء مرافعته الأخيرة، و تتهاتر على صوّان براهينه أدلّة الزور الزائفة، و لا يجدُ كاتب الضبط ما يفرغَهُ في المحاضر الخاوية و يبدو الحارس فزعا من ختام المشهد، و محمد لا كترث بأصفاده ، بالجوع مترافعا في وجه حكم أبرمه الشيطان ..

