الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:01 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:41 PM
العشاء 9:11 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ضمير أبلة حكمت

الكاتب: سما حسن

 

لم يمر خبر وفاتها مرور الكرام عليّ، وعلى بنات جيلي، فقد كانت مديرة مدرستنا في المرحلة  الثانوية، وكان مجرد ذكر اسمها مسبوقاً بلقب "حضرة الناظرة" يثير في قلوبنا الرعب الممزوج بالاحترام، نحن الطالبات المراهقات اللواتي كنّ يحاولن إظهار بعض الزينة، والتملص من الزي المدرسي المعتاد، لكنها كانت بالمرصاد لأي مخالفة، سواء في انضباط المدرسة، أو زي الطالبات.

لم تتزوج، لكنها كانت مربية فاضلة، وأماً لأجيال من الطالبات أزيد من أربعين عاماً، قضتها الأستاذة الراحلة، فرحانة المصري، ناظرة لمدرسة ثانوية وحيدة في مدينة خان يونس جنوب غزة.

ويوم وفاتها، الجمعة الماضية، شيّعت بجنازة مهيبة، أظهرت مكانة هذه المرأة التي توفيت عن نحو 90 عاماً، وعاشت وحيدة في بيتها، وطواها النسيان، ولم تحفل بتكريم عابر في أي مناسبة. ولكن، أثلج قلبي وقلب رفيقاتي التي نقلت إحداهن لي خبر وفاتها أن مدينة بأكملها حزنت على وفاتها، وأن بيوتاً كثيرة رددت مناقبها ومحاسنها، وتحدثت عن أيامها "ساق الله على أيامها، حيث انضباط المدارس واحترام التعليم"، ثم أكملت الأمهات استعدادهن لاستقبال العام الدراسي الجديد في غزة، وخصوصاً اختيار الزي المدرسي، تبعاً لأحدث موضة لبناتهن اللواتي سينتقلن إلى المرحلة الثانوية. توقفت كثيراً أمام شخصيتها، امرأة لم يكن يستطيع أي معلم ممن تحت إدارتها في المدرسة أن يثني على قرار من قرارتها، وهي التي كانت تخشى حدوث بعض التسيّب في المدرسة الثانوية التي يقوم على التدريس فيها، على الأغلب، مدرسون استمراراً للنظام الذي كان سائداً أيام الحكم الإداري المصري لغزة، وحيث كان يفد المعلمون المصريون للتدريس في مدارس غزة، ويقيمون هم وعائلاتهم في بيوت مؤجرة، وتنشأ بينهم وبين عائلات الطالبات علاقات طيبة، تستمر إلى ما بعد انتهاء مدة استقدامهم.

لم تكن "أبلة الناظرة" تفرّق بين بنتي الوزير والغفير. ولها في ذلك مواقف كثيرة، حيث اعتادت يومياً أن توبخ ابنة أحد وجهاء المدينة، وهو من أثرى أثريائها، أمام الطابور الصباحي، لأن البنت كانت تأتي إلى المدرسة، وقد لطخت وجهها بالماكياج الذي كان ممنوعاً، بحسب قوانين المدرسة. ولم تكن تلتفت إلى تلميحات المعلمين الذين يطلبون منها أن توبخها في غرفتها، أو غرفة المدرسين، احتراماً لمقام والدها.

وكانت تفعل ذلك مع المعلمين والمعلمات، ولم تقرّب أحداً منهم إليها. وتسري قوانين المدرسة على الجميع، وكنت أحفظ لها مقولة فريدة، ترددها دائماً: القانون مثل "سبحة الصلاة" إذا قطع حبلها سوف تنفرط حباتها ويصعب جمعها". وبذلك، ظلت أبلة فرحانة مضرباً للمثل، وكانت الأمهات يتوعدن بناتهن المتمردات بأنهن سيشكين "حالهن المايل" لأبلة فرحانة. وكان هذا التهديد يكفي لينصلح حال الواحدة منهن، فلا تتباطأ أمام بيت الجيران، في طريق عودتها من المدرسة، أملاً في أن يلمحها ابنهم.

من مظاهر وفائنا نحو ناظرتنا أنه حين عرض مسلسل "ضمير أبلة حكمت" في عام 1991، أطلقنا على سيدة الشاشة العربية اسم ناظرتنا، لأنها ذكّرتنا بها، وبشخصيتها الحازمة. وتمنينا لو حظيت أبلة فرحانة بالتكريم الذي نالته "أبلة حكمت" التي لم تتزوج أيضاً في المسلسل، وأن يطلق اسمها رسمياً على المدرسة. لم يحدث ذلك للأسف، لكننا ما زلنا نطلق اسمها على المدرسة، ولا يعرف القاصي، ولا الداني، من المدينة، وخصوصاً سائقي تاكسيات الأجرة اسم المدرسة الحقيقي، وهو مدرسة بنات خان يونس الثانوية، فالجميع يعرف "مدرسة فرحانة"، حتى بعد هدمها وإعادة بنائها.

من أكثر المواقف التي لا تُنسى للراحلة أنها كانت تنهانا عن استخدام الماكياج، وتردد بصوتها الجهوري الصارم، عبر ميكروفون الإذاعة المدرسية، بحيث يسمع صوتها المارة في الشارع: ممنوع البهرجة، وخصوصاً السمكرة... وتقصد "ماسكارا" الرموش. كان ذلك يضحكنا، وأغمز لزميلتي بجواري في طابور الصباح: خلي بالك من السمكري اللي بيصلح رموشك. 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...