السيد الرئيس.. يسقط الأمر العسكري رقم ٥٥٨
الكاتب: طارق عسراوي
لم تعهد البلاد مثل هذا من قبل، هذا الانتشار الهائل لزراعة المخدرات في الضفة الغربية و الانجازات المهمة التي تحققها الجهات الأمنية المسؤولة عن مكافحة المخدرات، في ضبط هذا العدد الكبير من المشاتل و المستنبتات يحثنا على الكتابة مرة أخرى حول خطورة الحالة التشريعية التي نعاني منها للتصدي لهذه الظاهره.
إن ظاهرة المخدرات ليست حديثة، إلا أنها كانت محدودة الانتشار - إن جاز التعبير - و الأهم أنمناعة المجتمع الذاتية كانت الحصن المنيع الذييلفُظها و تحد من انتشارها الواسع، و من خلال النظر الى الإنجازات التي حققتها قوى الأمن في ضبط هذا الكم الهائل من المواد المخدرة، و ما أعلنت عنه من ضبط لمصانع و مشاتل واتلاف كميات في مناطق الخليل و طولكرم و قلقيليه و جنين و اريحا و قرى القدس و غيرها خلال مدة متقاربة يضع هذا الموضوع على أول الأولويات و يوجب الحديث عنه مرة أخرى من ثلاثة محاور.
المحور التشريعي و القانوني: إن التشريع الساري و المطبّق حتى يومنا هذا لمكافحة هذه الظاهره هو الأمر العسكري الصادر في العام ١٩٧٥عن الحاكم العسكري للإحتلال تحت الرقم ٥٥٨ ، وهذا هو النص القانوني الوحيد الذي يلجأ له القضاء في محاكمة من يقوم بتصنيع او بيع او تعاطي المواد المخدرة و العقاقير الخطرة،وقد جاء هذا الأمر العسكري ( التشريع ) ناقصا و معيبا و لست آثما إن قلت أن فيه قصداً ممنهجا لخدمة أهداف الإحتلال في ضرب القيم الاجتماعية و ابقاء نمو آفة المخدرات مسيطر عليها بيد الإدارة العسكرية التي سخّرتها لخدمة أهدافها و خلق أمراض إجتماعية مزمنة في جسد المجتمع الفلسطيني بشكل عام، و يظر ذلك من خلال خلو هذا الأمر العسكري عن أية مواد تتحدث عن علاج او تأهيل من وقع في براثن هذه الآفة واقتصاره على فقط على العقاب، وهنا نطرح سؤالا للدلالة على ذلك، لماذا لم يبق الاحتلال على سريان القانون الاردني الخاص بمكافحة المخدرات كما فعل بغالبية القوانين الاخرى و أصدر أمرا عسكريا عن ضابط الادارة المدنية، ولماذا أصدر قانونا خاصا يختلف عما يطبقه الاحتلال ذاته في علاج هذه الافة في داخل الارض المحتله عام 1948 و اقتصر على الضفة الغربية ؟ وكيف لأمر عسكري يحتوي 44 مادة قانونية تتحدث غالبيتها عن صلاحية الحاكم العسكري ( الذي لم يعد موجودا ) ان يتصدى لآفة بهذا الحجم و نحن نلاحظ من خلال انجازات الامن الفلسطيني انه في كل مدينة بالضفة الغربية تم ضبط شقة او منزل يستخدم كمستنبت للمواد المخدرة و بتقنيات عالية.
عموماً، إن هذه الجريمة مثل كافة الجرائم، فهيتتطور بتطوّر المجتمع و إتساعه ولم تعد قاصرة على الأشكال النمطيّة و التي كانت موجودة سابقا، كماأن المجتمع الفلسطيني ما زال مستهدفا من قبل هذا الاحتلال الغاشم، و بأخذ ما تناقلته وسائل الانباء عن هوية هذه المشاتل او المستنبتات أو بالاطلاع على التقنيات العالية المستخدمة في تحضير هذه المستنبتات نلاحظ أن يد الاحتلال حاضرة ، ولن يمنعها الأمر العسكري الصادر عن ضابط الادارة المدنية في الوصول الى منازلنا و أبنائنا في غفلة منا، اضافة الى ما يعتري هذا الامر العسكري من ضعف في صياغة النصوص، و اغفاله معالجة العديد من الجوانب التي لجأت لها تشريعات الدول الأخرى و التي تهدف أولا الى حماية المجتمع و انقاذ ابنائه من الآفة، ولم تعد هذه النصوص قادرة على التصدي للظاهرة المتطورة لانتشار و انتاج المخدرات في العام ٢٠١٥.
نعم، نُقرّ أن غياب المجلس التشريعي الفلسطيني عن أداء أعماله، له الأثر البالغ في عدم تطور الحياة التشريعية الفلسطينية عموما، إضافة الى باقي الآثار السلبية الناجمة عن غيابه وليس هذا المقال مقامها، إلا أن غيابه لا يعني الإستمرار في بقاء الحالة التشريعية الراهنة في شأن مكافحة المخدراتبهذا الوهن، إذ أن النصوص الدستورية مكّنت رأس السلطة التنفيذية من صلاحيات إصدار القوانين و إصدار القوانين المُعدّلة حيث منحت المادة ٤٣ من القانون الأساسي الصلاحيّة التشريعية للسيد الرئيس بإصدار قرارات لها قوّة القانون وفق ضوابط أهمّها حالة الضروره ، و لم تحدد المواد القانونية ضوابط محدده لحالة الضرورة و إنما تركتها صلاحيّة تقديرية للظرف الذي يستدعي إستعمالها، أما الفقه القانوني فقد أطال في شرحه لمفهوم حالة الضرورة حيث يمكن إجمال ما قاله شُرّاح القانون بأنها " الأمر الطارئ الذي ينتج عنه ضررا اذا ما تأخر علاجه تشريعيا ، ويحدث خارج أدوار انعقاد المجلس التشريعي" و قد تعارفت الأنظمة القانونية على تمكين السلطة التنفيذيه من إصدار القوانين في حال غياب السلطة التشريعية وهو ما حمل لدينا إصطلاح " القرار بقوة القانون" و في المملكة الأردنية مثلا بإصطلاح " القانون المؤقت" ، ومن هنا فإن انتشار هذه الظاهره بهذا الشكل الكبير يجعل منها حالة تهدد المجتمع بأسره و يجعل أمر التصدي لها في ظل غياب انعقاد المجلس التشريعي ضرورة لا خلاف عليها تشتمل في حدود المادة ٤٣ من القانون الأساسي، ولذا فإنه من الضروري إصدار قانون خاص يكافح ظاهرة انتشار المخدرات ولو بصيغة القرار بقوة القانون.
و لأجل أن يتصدى التشريع لهذه الظاهرة فإنني أرى وجوب أن يكون قانونا خاصا منفصلا بأحكامه و ليس بابا من أبواب قانون آخر، كأن يكون جزءا من قانون العقوبات مثلا ، لأن الحاجة التشريعية مرتبطة بتطور الجريمة كما أسلفت، و اكتشاف الوسائل الحديثه لمعالجتها و ردعها، و بإصدار قانون خاص لمكافحة المخدرات مستقلا عن قانون العقوبات يحقق الغاية من ذلك، ويجعل من أمر تعديل مواده القانونية مقتصر عليه وحده، آخذين بعين الإعتبار أن قانون العقوبات يعتبر القانون الجنائي الأساسي الذي ينظم الحياة القانونية الجنائية برمتها و لا ضرورة لإخضاعة للجدل حول تحقق حالة الضرورة في حال إصدار قانون عقوبات جديد لكون مواده تحدد كافة الاعمال الجرمية و ليس موضوعا واحدا فقط.
و في حديثنا عن ضرورة وجود قانون فلسطيني خاص للتصدي لظاهرة المخدرات فإنه لا بد من الإشارة الى ضرورة أن يتّسم هذا القانون بالنظرة العلاجية و الإصلاحية لمن يقعون في مستنقع تعاطي المخدرات و ليس العقابية فقط مع ضرورةالحفاظ على مفهوم الردع العقابي ، اضافة الى إيجاد نصوص عقابية رادعة لمن يروّج أو ينتج أو يتاجر في المواد المخدرة للحد من انتشار الظاهره، فقد يحدث أن يقع أي فلسطيني دون إرادة منه ضحية لهذه الآفة و من غير المعقول ان تتم معاملة الضحية بصفته مجرما، و غياب الجانب العلاجيكان احد اهم غايات الاحتلال من اصدار الأمر العسكري 558 وبه تمكن الاحتلال من وضع سيف العقاب الغليظ على كل من وقع ضحية للمخدرات التي لم يتوقف الاحتلال ذاته عن نشرها في المجتمع الفلسطيني لحظة واحدة، لقد ذهبت كافة التشريعات و القوانين - العربية منها - الى هدف حماية المجتمع و أبناءه وهذا ما لم يفعله الامر العسكري، فلو فرضنا أن عائلة فلسطينية اكتشفت مبكرا أن أحد أبنائها يتعاطى المواد المخدرة، فماذا هي فاعلة في ظل قانون لا يستخدم سوى السجن علاجا و لا يوفر دار فطام او مصحة واحدة في كل الوطن لمساعدتها في انقاذ ابنها ؟؟
ولو نظرنا الى القوانين الاخرى و منها الاردني على سبيل المثال، نجد أنه نص صراحة في المادة (١٤)فقرة ( د) على انه :
" لا تقام دعوى الحق العام على من يتعاطى المواد المخدرة والمؤثرات العقلية أو يدمن عليها إذا تقدم قبل أن يتم ضبطه من تلقاء نفسه أو بواسطة أحد أقربائه إلى المراكز المتخصصة للمعالجة التابعة لأي جهة رسمية أو إلى إدارة مكافحة المخدرات أو أي مركز أمني طالبا معالجته."
و لا نجد كذلك في الامر العسكري الساري ما يمكّن المحكمة و يمنحها الصلاحية من اصدار الحكم على المتعاطين بالخضوع للعلاج و المراقبة الطبية اضافة للعقاب، وهذا سكوت مقصود أيضا فلم يكن الاحتلالبهذا الامر العسكري مكترثا بشفاء المتعاطين للمخدرات، أو بتشريع نصوصا قانونية تساعد المجتمع عموما على التعافي.
المحور المؤسسي: لقد تحدثت النتائج الجيدة عن الجهود الكبيرة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ذات الإختصاص في متابعة ظاهرة انتشار المخدرات و التصدي لها ابتداءا من البحث عن المعلومة و انتهاءً بضبط المواد المخدرة و إحالة المشتبه بهم الى القضاء، إلا أن أهمية هذا الموضوع توجب علينا إكمال حلقة المؤسسات الرسمية لتحقيق الغاية من مكافحة هذه الآفة و التي هي الحفاظ على مجتمع خالي من هذا المرض، لذلك فإن عدم وجود مؤسسة رسمية واحدة تُعنى في متابعة المدمنين و المتعاطين يجعل سلسلة الإجراءات ناقصة، فلا يُعقل أن لا يوجد في فلسطين دارٌ رسمية واحدة لفطام المدمنين ، أو مصحة لعلاجهم ، أو مأوى لهم ، كما لا يُعقل أن يُسجن المحكوم عليهم بجرم التعاطي و الادمان من قبل القضاء في مراكز الإصلاح و التأهيل العامة، و التي تفتقر بوضعها الطبيعي للإمكانيات العادية فما بالنا في حالة وجود مدمنين على المخدرات ! و ما المانع من تخصيص مركز إصلاح واحد و متخصص في التعامل مع المحكومين بجرائم المخدرات لكل الوطن، يكون فيه من الأخصائيين و المرشدين و الأطباء و من يلزم للتعامل مع الظاهرة.
للإجابة على هذه الاسئلة لا بد أولا من وجود تشريع فلسطيني تكون الغاية منه حماية المجتمع الفلسطيني و يمهد لولادة باقي المؤسسات المتعلقة بالخصوص، وهنا أرى أن يفسح القانون من خلال نصوصه المجال للأنظمة لتتولى هي تنظيم و ترتيب عمل دار الفطام او المختبرات الرسمية اللازمة لفحص المواد المخدرة وذلك لإمكانية تعديل هذه الأنظمة بمرونه عاليه من خلال مجلس الوزراء و لتقليل اللجوء للصلاحية الاستثنائية في إصدار القرار بقانون.
المحور التوعوي: في شأن التصدي لظاهرة المخدرات نقول ان درهم وقاية خير من ألف علاج ،وفي هذا الموضوع فإن جملة مفيدة و احدة تحد من انتشار الآفة خير من علاجها بعد وقوعها، و ان الأمر يحتاج الى وجود نشرات ثابته و غير تقليدية على القنوات الفلسطينية تظهر بشاعة الآفة، وتحذر منها، وتكشف اسليبها و الطرق المستخدمة للتغرير في أبنائنا لجرهم لهذا المستنقع، و لا يكفي القول الخجول في المناسبات العامة كاليوم العالمي لمكافحةالمخدرات ، و إن ذلك يقع على عاتق المؤسسات الرسمية أولا من وزارة الإعلام و هيئة الإذاعة و التلفزيون و الداخليه و التربية و التعليم دون إغفال دور مؤسسات المجتمع المدني، إنها فقط جملة مفيدة تحذر من الآفة، كما يحتاج الامر الى أفكار توعوية خلآقه تتضافر فيها الجهود لبلوغ الجميع لمجتمع فلسطيني خالي من السموم.
أخيرا، بالنظر لمجمل التشريعات الفلسطينية بطريقتيّ تشريعها - الطبيعية و الإستثنائية - نجد أنها متأثرة ( منقولة ) عن تجارب تشريعيه لنظم عربية مجاورة فيها الانجاز وفيها الاخفاق، وهنا أرجو يدقق كاتب القوانين الفلسطيني بعناية في التجارب التي يلجأ اليها و يستثني اخفاقاتها، فهناك تجارب تشريعية برهن تطبيقها على أنهاناجعة في حماية المجتمعات أكثر من غيرها.
وفي ظل هذا كُلّه نقول: يمتاز الإنجاز عن غيره بالشكر ولو كان العمل واجبا، و الإخفاق عن غيره باللوم ولو كان العمل تطوعا، لذا و نظرا للجهود و النتائج الايجابية التي قامت بها قوى الأمن، نقوللهم شُكرا، و سلمت أياديكم و نوجه رسالة للمسؤولين عن اصدار التشريعات مفادها " يسقط الأمر العسكري رقم 558 ".

