نهج حافلة الجنود القديمة
الكاتب: طارق عسراوي
لا أعرف بالضبط زمن الحكاية و في أي يوم حدثت، أو من هو صاحب الكنية ومن أي بلدة او قرية، الا أن الواقعة حقيقية وحدثت قبل نكبة البلاد و انبلاج المخيم من رحم اللجوء..!
كان الحاج أبو محمد يقودُ حافلة الركاب متجها الى نابلس حين أوقفه حاجز للجنود الإنجليز و أجبروا الركاب على النزول من الحافلة، لم تُجدِ سنين عمره السبعون في إقناع ضابط التفتيش بالسماح لهم بالعبور و استكمال الطريق، و لم تنفع الأسباب و الأعذار التي ساقها لتثني الخواجا - كما رووا بعد سنين - عن رغبته و أوامره، صعد جنود غرباء الى الحافلة، محملين بالعتاد و البارود، و تحت إمرة الإحتلال تُرِكَ الركّابُ الأصليون على قارعة الطريق و سارت الحافلة بالغزاة !
و كلّما نظر أبو محمد في مرآته، وجد معالمه تتغيّر حتى تنكّرت المرآة لمعالم وجهه ! وكلّما نغصته زفرات الجنود أو سمع كلماتهم المجوجة بلكنة البلاد الباردة حوقل و تعرقت ساعداه !
لم يكن يدري في فجر ذلك النهار أن رحلة الركاب لن تصل الى نابلس أو أن حافلته ستغدو ناقلة للجنود الذاهبين لإسناد الغزاة في إخماد الثورة المتقدة في حنطة البلاد ..
بدت الطريق شاقة، كأن الحافلة تقاوم، ترفض إتمام المهمة بيسر، و قرب قرية اللّبَن، عرف الحاج أبو محمد درب الهداية، بدت منعطفاتُ الطريق الحادة الوعرة سهلاً مبسوطة ككف يده، داس على صمام الوقود بما أوتي من صواب الفكرة ، فاحت من كوفيته بشائر الحناء و نبتت سنابل الحب بين أصابعه ، و علت حوقلته على أنّات هلع الجنود و صارت الحافلة نعشا، على جنباتها تزهر الشقائقُ و من نوافذها يرفُّ الحجلُ ..
لم يكن أبو محمد يدري قبل ساعة حاجز الانتداب أن تلك رحلته الأخيرة، لم يخطط، لم يدبّر، لكن بنادق الاحتلال كانت كفيلة بشحذ الفكرة ، ما رآه في الدروب و ما سمعه من حكايات البلاد كانت الشرارة التي أوقدت حطب شمس الحرية ..
بقراره الحر أطلق الحاج أبو محمد العنان لتدفق الوقود فجعل من قرار الفرد نهجا يلجأ له أحفاده كلّما ضاقت بهم جوانب الطريق المؤدي للبلاد ..

