مجانين إسرائيل وتقسيم الأقصى
الكاتب: فؤاد أبو حامد
هل حقاً المسجد الأقصى في خطر؟ ولماذا لا تجد تصريحات نتنياهو ويعلون بالمحافظة على الوضع الراهن في المسجد الاقصى آذان فلسطينية صاغية؟
بداية، واهم من يظن أن المؤسسة الإسرائيلية الرسمية بمنأى عن كل تصرفات المستوطنين والشرطة الاستفزازية في المسجد الأقصى، وأنها تعمل على الحفاظ على الوضع في المسجد الأقصى كما كان عند احتلاله عام 1967؛ بل إن كل ما يحدث توطئة لتقسيم زماني ومكاني آت لا محالة.
يتفق فلسطينيون كثر أن الهبة التي تشهدها مدينة القدس وباقي أنحاء فلسطين هذه الايام هي هبة لنصرة المسجد الاقصى، والشباب الفلسطيني لا يعقد أي أمل على الدول العربية والاسلامية لنصرة المسجد الاقصى ويهب للدفاع عن أحد أهم رموزه الدينية والوطنية، لاعتقاده أن هناك خطرًا حقيقيًّا يهدده، وهذا الخطر يتفاقم ويزداد بشكل يومي.
في أعقاب الاحتلال الاسرائيلي لمدينة القدس في عام 1967، سيطر جيش الاحتلال الاسرائيلي على الحرم القدسي الشريف، واتخذ وزير الجيش الاسرائيلي في ذلك الوقت موشيه ديان قرارا استراتيجياً يقضي بالسماح للأوقاف الاسلامية الأردنية بالاستمرار في ادارة شؤون المسجد، هذا "السماح" الذي لم يخل من العراقيل الاسرائيلية الدائمة التي تمنع الاوقاف الأردنية حتى من اجراء بعض أمور الصيانة البسيطة في منطقة الحرم.
كبار الحاخامات في اسرائيل، ومنهم الحاخام عوفاديا يوسف، ودورون، وراف كوك، حرّموا دخول اليهود للمسجد الأقصى المبارك، ليس بسبب تواجد المساجد في المنطقة، وليس بسبب أهميته الدينية للمسلمين؛ بل لأسباب دينية يهودية داخلية تتعلق بمسألة الطهارة في الدخول الى قدس الاقداس لهيكلهم المزعوم.
ي أعقاب اتفاقيات أوسلو، حصل تطور خطير، حيث إنه للمرة الاولى، قام حاخامات يتبعون للمستوطنين بإصدار فتوى تجيز لليهود الزيارة المسجد الاقصى والصلاة فيه، ومنذ ذلك الحين، بدأت سلسلة اجراءات تهدف الى تقسيم المسجد الاقصى زمانيا ومكانيا على غرار ما حصل في الحرم الابراهيمي في الخليل، عندما فرضت اسرائيل في اعقاب المذبحة البشعة التي نفذها باروخ جولدشتاين في الحرم ترتيبات جديدة أدت الى تقسيم الحرم زمانيا ومكانيا.
وفي الوقت التي تزداد فيه الأزمنة التي يمنع بموجبها المسلمون من الدخول الى المسجد الاقصى بذرائع متعددة، واصدار أوامر الابعاد عن الحرم بحق المسلمين، فان التواجد الاسرائيلي في المسجد الأقصى، سواء المدني أو العسكري، يتزايد بشكل كبير، حيث أصبح الجنود الاسرائيليون يقتحمون الحرم ببزاتهم العسكرية "للزيارة" وبأعداد كبيرة يومياً، عدا عن التواجد المسلح لأفراد الشرطة في ساحات الحرم وحتى على سطح المسجد القبلي كما حدث مؤخراً، ناهيك عن استباحة الحرم بالاسلحة المختلفة، حيث استشهد عشرات الفلسطينيين وجرح المئات في محاولاتهم التصدي لعمليات الاقتحام.
وفي الوقت الذي يدعي فيه نتنياهو المحافظة على "الوضع الراهن"، أي مجرد زيارات لليهود والاجانب بدون صلوات، اقتحم آلاف المستوطنين الحرم وأدوا الطقوس والصلوات الدينية تحت حماية قوات الشرطة المرافقة لهم. ولم تقتصر الاقتحامات فقط على المستوطنين بل تسابق العديد من الوزراء وأعضاء الكنيست المتطرفين باقتحام الحرم، ومن أبرز هذه الاقتحامات الاقتحام الاستفزازي لأريئيل شارون في العام 2000، الذي أدى لاندلاع الانتفاضة الثانية، ولم تتوقف هذه الاقتحامات الاستفزازية، وكان آخرها قبل أسبوعين، عندما قام وزير الاسكان الاسرائيلي اوري ارئيل باقتحام الحرم القدسي واداء الصلوات هناك والاخلال بتفاهم مسبق بهذا الشأن مع الشرطة الاسرائيلية، على حد زعمها.
يجزم العديد من الخبراء المسلمين أن التصدعات والانهيارات التي حدثت في المسجد الاقصى وساحاته سببها المباشر الحفريات التي تجريها اسرائيل أسفل الحرم على الرغم من ادعائها أنها لا تقوم بأية حفريات أسفل الحرم نفسه.
وثمة حفريات ضخمة تجريها اسرائيل في البلدة القديمة بشكل عام، وقد زرت بنفسي نفق البراق الذي يتجه من حائط البراق شمالاً بمحاذاة السور الغربي للمسجد الاقصى المبارك، وهناك حفريات اسرائيلية ضخمة في سلوان واسفل الحائط الجنوبي للمسجد الاقصى المبارك، والهدف من كل هذه الحفريات هو اثبات وجود "الهيكل" في منطقة الحرم القدسي الشريف.
هنالك العديد من المؤسسات المهمة في اسرائيل التي وضعت نصب أعينها بناء الهيكل، من أقدمها وأهمها أمناء جبل الهيكل التي أسسها جرشون سلمون وما زالت تجهز حتى يومنا هذا المخططات والأدوات الخاصة ببناء الهيكل. وهنالك أيضاً "معهد الهيكل" في البلدة القديمة من مدينة القدس، الذي يظهر وللوهلة الأولى على أنه مجرد معرض يضم صورا ومجسمات ويبيع الهدايا التذكارية حول الهيكل، مع أنه يشكل مركزاً للأبحاث حيث يصدر اصدارات مهمة في كل ما يتعلق بالهيكل، وقد لفت نظري وانا اعد لهذا المقال أن جزءا كبيرا من تمويل هذا المعهد هي اموال حكومية، الى جانب فعاليات ضخمة كما وردت في الموقع الالكتروني للمعهد في داخل المدارس اليهودية وقيام الالاف من هؤلاء الطلبة بزيارة المعهد بشكل فعلي اثناء الدوام الرسمي، بتوجيه وتشجيع من وزارة المعارف الاسرائيلية.
ان هذه الاجراءات بالإضافة الى اجراءات أخرى عديدة تدل وبشكل واضح على أن قضية التقسيم ليست فقط مهمة بعض المجانين كما تدعي اسرائيل، بل إن هناك سياسة ممنهجة ستؤدي في نهاية المطاف، ان لم يكن الان، ففي المستقبل، الى التقسيم الفعلي لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
نقلا عن موقع "24FM"

