الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:02 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:41 PM
العشاء 9:10 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

في ذكرى استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات الحادية عشر

الكاتب: اللواء/ محمود الناطور (ابو الطييب)

لم يكن فليم غربي طويل ، ينتهى كل شيء كما يريده المخرج ، بقدر ان الثورة كانت عنوان لجميع الأبطال الذين غادروا قبل أن يكتمل مشروع الدولة وتحرير الإنسان الفلسطين من قيود المحتل ، هكذا ، رحل أحد ابطال هذه المسيرة ، وقد يكون على الإطلاق ، أهم عنوانيها ، التى حرم كما السابقين من تحقيق ، كامل الحلم ، اذاً هو ياسر عرفات ابوعمار ، الذي ابتكر كثير من الأشياء ولم يسبقه اليها أحد ، وعلى وجه الخصوص ، كوني كنت من الذين عملت معه عن قرب وفي أحلك الظروف ، فقد مزج بين الحياة العامة والخاصة ، حتى بات المرء ، لا يفرق بين عائلته والعمل الوطني .

وبالرغم ، من اختلاف الكثيرين معه حول العودة واتفاق أسلو ، الا أن ، الرجل كان يرمي إلى غد أبعد ويعلم جيداً ، بأن الحاضر لا يبشر بالخير للعرب ، لهذا ، أراد أن يؤسس لمرحلة ، وهو يعلم ، بأن رحيله قاب قوسين أو أقرب ، وكان متأكد ، بأن المنطقة العربية بعد غزو العراق مؤهلة للاستباحة ، لهذا ، عمل بطرق مختلفة ليحقق العودة المجتزئة ، بهدف نقل الصراع إلى الداخل .

لكن ، وبالرغم ، من قربي له ، وايضاً ، كثير مثلي ، كانوا على قرب من ياسر عرفات ، إلا أنه ، فاجأ الجميع ، بأنه ، رفض بشكل قاطع أن يشاركه أحد في قرار نهايته ، فأعد السيناريو بمفرده وجسد مقولته التى كان يكررها عند حفرة القبر وهو يواري أحد رفاق المسيرة ، العهد وهو العهد ، أما النصر أو الشهادة ، فالرجل ، غادر الحياة الدنيا بطريقته ، كما كان له دائما طرق مختلفة في مسيرته الطويلة .

في مناسبة اغتيال ياسر عرفات ، أعيد نشر مقابلة أُجريت معي في الزمن الأجمل والأبهى ، مع صحفية أمريكية عام 1981 من كتاب زلزال بيروت ، عن ابوعمار ، القائد والإنسان ..
ابو الطيب

أبو عمار .. القائد والإنسان

كثيرة هي التفاصيل التي يمكن أن أتحدث بها عن أبو عمار وقليلون جدا هم الذين يعرفون شخصيته عن كثب .. أذكر أنه في أحد الأيام حضرت إلى مقرنا في الفاكهاني صحفية أمريكية برفقة يوسف البندك، الذي أخبرني أنها تريد إعداد كتاب عن حياة أبو عمار وشخصيته.. واقترح عليها مقابلتي بحكم اتصالي الدائم به.

واستهلت الصحفية أسئلتها قائلة: "ما هي صفات القائد أبو عمار"..؟

فأجبتها: أن قائدنا أبو عمار قوي كالبحر، أو كزند عأمل فلسطيني، هادئ كزيتونة رومانية.. أغصانها في السماء وجذورها في عمق الأرض.. ابتسامته جزء من وجهه .. وكوفيته رمز ثورة ..

انه عنوان قضية.. "يزدهر بالأزمات".. والأزمات تلاحقه، يخرج من أزمة إلى أزمة .. فطريقه ليس سهلا، ولم يكن يتوقعه أن يكون سهلا.. لقد اختار الطريق الأصعب.. وكان الشعب معه في الاختيار .. كان عليه أن يتعأمل مع كل زنادقة العالم العربي وأن يسير فوق خطوط متقاطعة هشة في هذا العالم المهترئ بالأعراب.

كان عليه أن يسقي الزهرة الفلسطينية في مستنقع يمتلئ بالمياه الآسنة، ونمت الزهرة رغم حالة الجفاف العربية ورغم العوسج والشوك والصخر والطحالب وكل الطفيليات، أينعت الزهرة الفلسطينية وكان القائد يرعاها في بحر من المتناقضات والمياه المالحة.

وكان على أبو عمار أن يرعى كل صغير وكبير.. حتى الأبناء العاقين والمتطاولين.. فقلبه يتسع لهؤلاء الصغار وقد كان مشغولا في كبار الأمور.. وكان مثل "فتح" قلبا رحبا متسامحا يحتضن الجميع ويحنو على الجميع .. زهد في الدنيا وأعطى نفسه وقلبه ووجدانه وطاقته للقضية والثورة والوطن والقدس.. أحب فلسطين والفلسطينيين .. كانت ثقته في كل فلسطيني بغير حدود.

أن تكون فلسطينيا معناه أنك قريب منه حبيب إليه...

ثم سألتني: ما الذي يحزن ياسر عرفات..؟

وأذكر أنني أجبت بسرعة ودون إبطاء، وقلت: "إنهم الأطفال وخاصة أبناء الشهداء الذين يشعر بمسؤوليته المباشرة تجاههم، ويرى في عيونهم مجد آبائهم وإشراقة المستقبل.

واليوم أتذكر كم أخطأت عندما تناولت هذا الموضوع، وخاصة أثناء معركة بيروت عندما كانت الحمم لا تصيب إلا الأطفال، وكنت أرى ردة الفعل عند أبو عمار عندما كان العدو يركز على قصف المناطق الآمنة بغية الضغط عليه للاستسلام.

س: كيف يتعأمل معكم ياسر عرفات.. وكيف تفهمونه..؟

فأجبتها: نحن في "فتح" ننادي قائدنا أبو عمار "يا أخ أبو عمار" بدون مقدمات أو ألقاب أو تفخيم وتعظيم.. وبكل بساطة نقول(يا أخ أبو عمار) وأتساءل أين توجد مثل هذه الصياغة في عالمنا العربي، فاصغر ضابط في الجيوش التقليدية يطلب مناداته "بسيدي" أو العديد من الألقاب التي لا تعد ولا تحصى، أضف إليها مواصفات الرتب وقدمها، وكثرة النياشين، وتكدسها على الصدور، أما نحن فنفتخر بأننا ننادي قائدنا بالأخ أبو عمار.

س: وأين سر القيادة في أبو عمار..؟

أجبت: ليس سهلا أن يكون الإنسان قائدا للشعب الفلسطيني، والذي يتصدر قيادته لا بد أن تتوفر لديه قدرات وإمكانيات غير عادية، وعليه معرفة شعبنا الفلسطيني بكل تشعبات المعرفة تلك، من هنا تميز أبو عمار بهذه القدرة، فهو يستمع لأي فلسطيني ويهتم بكل صغيرة وكبيرة، حتى أدق التفاصيل يصغي إليها، وكثيرا ما التقى أشخاصا ليست لديه معرفة بهم في السابق، فكان يصغي إليهم ويحاورهم ويناقش معهم أبسط الأمور، يفرح لقصص نضالهم ويحثهم ويشجعهم، وهذا يعتبر تفوقا في تقدير إمكانيات شعبنا.

كثيرون منا حاولوا الإبداع والتقدم، ومحاكاة قدراته من أصغر عنصر في قواتنا حتى القادة، لكن الجميع يعرف ذلك ويقر بأنه لا يمكن اللحاق به في العطاء والتضحية والإقدام، فحين كنا نفكر في أمورنا الشخصية وطموحاتنا، كان يفكر في قضايا شعبنا المصيرية وسبل الوصول إلى حلول لها، وعندما كان يشكو معظمنا من التعب والإرهاق والمرض أو غير ذلك، كانت طاقة عطائه تفوق الوصف، رغم التعب والإرهاق الذي كان يبدو عليه، كان يجلس كل يوم حتى ساعة متأخرة من الليل يتابع كافة تفاصيل العمل النضالي.. يقال أن العباقرة ينسون بسرعة، لكنهم يتذكرون بسرعة أيضا.. لكن أبو عمار لا ينسى على الإطلاق أدق التفاصيل التي حدثت حتى الأسماء، وجميعنا يعرف قدرته تلك، وها قد مر ثمانية عشر عاما على انطلاقة ثورتنا، لكنه يذكر كل حدث حصل وكل معركة مع العدو بأدق تفاصيلها، يذكر كل رجالات الثورة وكل مقاتليها، وعندما يقرأ شيئا لا ينساه، كنا نستغرب من أين تأتيه هذه المعلومات، ففي التاريخ له باع طويل، وفي الفلسفة، وفي العلوم الحديثة، إنه يقرأ ويقرأ الكثير جدا، لا يفوته حدث في العالم دون أن يكون عنده إلمام به.

لقد مرت ثورتنا بمنعطفات حادة وقاسية، يصعب الخروج منها، لكن أبو عمار كان يجتاز بالثورة كل هذه المنعطفات إلى بر العمل الفعال وإلى النتائج الأفضل في كل مرحلة من مراحل النضال وكانت مكانة الثورة تتقدم وتتعزز.

القادة "المعاصرون" يتأخرون خلف الخطوط بحجة الإعداد والدراسة الخ.. لكن أبو عمار يخطط ويضيف، ويقترح ثم ينتقل إلى أرض المعركة ليراقب النتائج ويعيشها.

وفي عام 1978 عندما شن العدو الصهيوني هجومه على الجنوب كان أبو عمار هناك، وعلى جسر القاسمية حيث شاهده كل مقاتل في الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بجانب مقاتليه، وقد قال البعض حينذاك "الأخ أبو عمار لا يسمح حتى للعنصر بالمزايدة عليه" لكن هذا القول في جوهره يعكس أيضا أن الأخ أبو عمار دائم الحضور والتواجد وهي صفات القائد الحقيقي.

أما بعد النظر عنده فهو الأقوى دائما، وكما هو معروف فإن مقاتلينا على مستوى متقدم من الوعي السياسي من خلال فهمنا لتسييس البندقية، وكان كل مقاتل فينا ينظر إلى الأمور السياسية من وجهة نظر خاصة، وكثيرة هي حلقات النقاش السياسي والتحليل للظروف والأوضاع، وكثير ما كان البعض يرسم خطوط التحرك في هذه المرحلة أو تلك، وكنا نتوقع أن يقع أبو عمار في الأخطاء السياسية نظرا لحدة المواقف والمراحل التي مرت بها الثورة الفلسطينية، لكنه كان دائما على حق، وكانت النتائج تبين صحة رأيه، ولا نصحو إلا بعد أن تظهر النتائج حسن إدارته وفهمه للأمور، حتى شعارات الثورة التي كان يطلقها أبو عمار، كان يدرسها جيدا وبدقة بالغة، أما تسميات الأعوام لديه فكانت تأتي كالتنبؤات.

بودي أن أتحدث عنه بكل ما عرفته وعايشته عنه ومعه.. وكما أسلفت ليس لهدف ما، فنحن في الثورة الفلسطينية نعيش في جوهر الديمقراطية التي هي الديمقراطية الفلسطينية الفريدة في هذه المنطقة، وأبو عمار قائدها ورائدها، وهو القائل "دع كل الزهور تتفتح في واحة هذه الثورة"، لكي يتقدم كل مناضل لتقديم الأفضل، ليبدي آراءه ليساهم في بناء الثورة الخالدة ولم يمنع يوما أي مقاتل في الثورة الفلسطينية من إبداء رأيه، أو تقديم مشورته، أو إعلان تحليله لأي موضوع أو حدث يخص الثورة، حتى النقد والنقد الجارح والهدام أخذ مكانه في الثورة دون أن يمس صاحبه.

كان يطلق للمبادرات العنان، فخلق المؤسسات التي رعاها بكل جوارحه، ونمّى روح التعاون بين عناصرها، وساعد على أن تأخذ مكانها في الحياة النضالية للثورة الفلسطينية، فلكل عمل كانت مؤسسة هي التي تراقبه وتديره سواء العمل العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو العلمي والثقافي، أو الشؤون الاجتماعية.

وكان يرى في هذه المؤسسات الفلسطينية أعمدة الحماية والدعم للقرار الفلسطيني المستقل، الذي هو بشخصه عنوانه ورمزه، وكثيرة هي محاولات الالتفاف على القرار الفلسطيني المستقل الذي خلق لنا هويتنا السياسية وحافظ عليها، وأعطى لشعبنا الفلسطيني كلمته ووجوده بين الأمم، فأصبح اسم الفلسطيني مفخرة ومثالا أمام العالم كله شرقه وغربه ونموذجا يحتذى في التضحية والفداء بين كل حركات التحرر، وما محاولات سرقة هذا القرار أو إضعافه إلا محاولة تصب في المخطط الصهيوني الذي لا يكل في البحث عن بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية، وما محاولات الالتفاف على القرار الفلسطيني المستقل إلا عملية سرقة وإضعاف للثورة والشعب الفلسطيني لتصبح القضية الفلسطينية برمتها في جيب هذا النظام أو ذاك، وهنا كان أبو عمار هو القلعة الصلبة التي تحافظ على هذا القرار وتحميه.

لقد حاولوا اغتياله عدة مرات، لاغتيال القرار الفلسطيني، ولا أريد أن أعدد تلك المحاولات، لكني أذكر أنه صاحب حس أمني مرهف، وهو معلم في هذا المجال، لقد حوصرت بيروت وطريق دمشق عام 1976 وخرج أبو عمار دون أن يشعر به أحد بإحدى الطرق وعاد ثانية إلى قلب بيروت بطريقة أخرى وفوجئ العالم، كيف خرج وكيف عاد.

أما أبو عمار الإنسان القائد الرمز فلا تكفي المجلدات للحديث عنه فهو يقضي معظم أوقاته من خندق إلى خندق ومن متراس إلى متراس ومن طائرة إلى طائرة..

ما ارتدى يوما سوى تلك البدلة الكاكية.. ولا أكل يوما إلا القليل من الطعام وغالبا, تكونت وجبته من كوب شاي وبضع حبات زيتون وقطعة من الجبن.

وكان رفاق دربه يجودون عليه أحيانا ببدلة كاكية، يمسح حذاءه بيده.. يرتب سريره المتواضع كجندي دائم الاستعداد، لم يترك كوفيته يوما.. حتى صارت الكوفية تعني أبو عمار والثورة والقضية وكل هذا الترابط بين القائد والشعب وبين الإنسان والأرض.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...