الانهياراتُ المسرحيةُ.. وحكايةُ الـ١٥ عاماً الأخيرة
الكاتب: أدهم مناصرة
حقاً، أُسوةً بملايين أو مليارات البشر، كُنت جالساً بمعية الأهل أمام شاشة التلفاز منتصف الليلة الأخيرة من عام 1999، مُنتظراً ساعة الصفر ليوم السبت الأول من الألفية الثالثة من عام 2000. أتذكرُ أن مشاعري كطفل بلغ عمرُه حينها "13 ربيعاً، بدَت مُختلطة في واقع الحال، بين أمل بعهدٍ تنويري أفلاطوني جديد، وبين خوف من القادم والمجهول، وما يُخبَّأ للإنسانية جمعاء على وجه هذه البسيطة.
بَيْدَ أنَّنا ومنذ أن دخلنا مطلع العقد الأول (العشرة سنوات الأول) من الألفية الثالثة، حتى بدأنا نشهد احداثاً ووقائع بعضها لم نتوقعها أو نتخيلها أو نشهدها من قبل، وبعضها الآخر كانت بمثابة احلام الأمس، ولكنها أصبحت حقائق اليوم. فاشتعلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام ٢٠٠٠، لتليها احداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ وما اسفرت عنه من انهيارٍ لبرجي مركز التجارة الدولية بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) والتي أسست لمعادلة عالمية جديدة، لتتبعها حربُ افغانستان (2001) والعراق (2003) وسقوط بغداد، الأمر الذي انتهى بالإحتلال الأمريكي، والتأسيس ل"اللبنة الأولى" لنمو وتصاعد "السلفية الداعشية" على يد أبي مصعب الزرقاوي الذي وضع ملامح الإنشقاق عن تنظيم القاعدة حينما ظهر الخلاف بينه وبين الظواهري تجاه العديد من اعمال القتل التي كانت تستهدف شيعة العراق.
ثم جاء استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات في نوفمبر عام ٢٠٠٤، بظروف غامضة، وما تلاه من انقسام فلسطيني داخلي وأحداث مؤسفة في حزيران ٢٠٠٧.
وفي غضون ذلك، تنامت الطائفية والتطرف واعمال القتل غير المسبوقة في أرضنا العربية، ثم جاءت ثورة الياسمين التونسية في 17 ديمسبر 2010، لتكون شرارةً لإشتعال ثورات الربيع العربي وسقوط انظمة عربية مثل "أحجار الدومينو"، ما أدى إلى ازدياد حدة و رقعة وجغرافيا التطرف والقتل والعنف السياسي والأمني والحروب الأهلية لأقصى حد، ولتتسع من دائرة العراق الى سوريا فلبنان واليمن وليبيا والقاهرة وتونس، وغيرها. نعم، فالحبل على الجرار.
ووسط كل ذلك تتحول "داعش" من مجرد تنظيم إلى "دولة" خلال السنين الثلاثة الأخيرة، عقب سيطرتها على مساحات واسعة في سوريا والعراق تُمثل مساحة بريطانيا، بفعل ما تمتلكه من قوة عسكرية واستخباراتية وقدرة على التجنيد، إضافة إلى تحالفات "غريبة وغامضة" مع جهات إقليمية ورُبما دولية، حيث تعاظم الجدل بخصوصها، فتبدأ حروبٌ بالوكالة، وتُصاغُ تحالفات دولية عنوانُها روسيا وامريكيا ضد التنظيم.
والآن، تندلع هبة شعبية فلسطينية ثالثة منذ الثالث من تشرين أول الماضي، في وقت باتت القضية الفلسطينية في أصعب وأخطر وأحْلَكِ ظروفها، بل ومهددة بالتلاشي في ظل اقليم عربي مُنهك ومُقسم ومُدمر ومهزوم، لتبتعد القضية من الوجدان الشعبي والرسمي العربي، وتتحول من "قضية العرب الاولى" إلى "قضية الفلسطينيين"!. كيف لا، وكلُّ قُطْر عربي يزيل شوكه بيده الآن؟، بعد "ثورة الياسمين" التونسية.
وجاءت هجمات باريس الدموية الأخيرة والتي نفذتها "داعش"، لتزيد "الطين بلّة"، فيشتدُّ حصار القضية الفلسطينية وتقزيمها، سيما وأن نيتانياهو وحكومة تل ابيب بدأت على الفور بتوجيه ضربات للفلسطينيين تحت غبار "هجمات باريس"، تماماً كما استثمرت اسرائيل احداث الحادي عشر من سبتمبر –الأمريكية- ومقاربة هجمات نيويروك، بالمقاومة الشعبية الفلسطينية، فقامت بقمع الإنتفاضة الثانية بكل الوسائل وحاصرت الشهيد عرفات، تحت عنوان محاربة "الإرهاب العالمي"، كما سوّقته الحركة الصهيونية الداعمة للدولة العبرية في المحافل الدولية.
نعم،، وبناء على ما سلف ذكره، فإن العنوان الذي يليقُ ب ال"15" عاماً الأخيرة هو "مرحلة الانهيارات الدراماتيكية" لوطننا العربي وحدوده وسيادته، كما لو أننا نُشاهدها على خشبة مسرح "شكسبير"، فماذا بعد؟!!، وهل فتحنا "ستارة" المسرح، ورأينا ما خلفها والحقيقة التي لن تجعلنا نرى المشهد كما كان؟!!، لا اعتقد ذلك، لو فتحناها لوُضع حد للتطرف والطائفية وانقساماتنا والعنف الذي عصف بأوطاننا وهويتنا، ولبقيت قضيةُ فلسطين حُرّة، وليست اسيرةً ومُقيّدة كما هي عليه الآن.

