الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:04 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:39 PM
العشاء 9:07 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

طرابيشي.. التَّنويري الصَّدوق

الكاتب: رشيد الخيُّون

رحل الباحث الجاد جورج طرابيشي (1939-2016) بعد إعلانه في آخر محطة مِن محطات حياته الثَّرية بالفكر: إصابته بالشَّلل التام عن الكتابة، وهي آخر ما كتب. وخلال حياته حارب طرابيشي عدة مرات آفة الغلو في التدين، فقد تخلى عن تدينه لهول وصف عذاب الجحيم على لسان الرَّاهب، الذي قال إن الخطيئة ثلاثية في العمل والقول والفكر، والأخيرة أخطرها، ثم ترك التَّدين بعد فرض «الإخوان المسلمين» السوريين التعليم الديني في المدارس الثانوية، فكان يدخل درس الدين الإسلامي، وهو المسيحي، فنفر من عبارة المدرس: «كلُّ مَن هو ليس بمسلم فهو عدو للإسلام»، وهنا شعر جورج بخطورة الفكرة، وهو الحلبي العريق، كما رفض عُرف «غسل العار»، وقد دار نقاش عنه داخل السجن، فاصطدم برفاقه الحزبيين واعتزلهم داخل السجن وخارجه.

وقد قام طرابيشي بترجمة أعمال فرويد، الذي حللَّ له عادةَ «فرم الخبز» على أنها انعكاس لموقف الأب منه.

وقد كانت لطرابيشي تجربة مع محمد عابد الجابري (ت 2010)، وقد بدأ معه بنشر مقالاته في المجلة التي كان يرأس تحريرها ببيروت (1972).
وأخيراً دخل طرابيشي محطة التوقُّف والصَّمت، التي استمرت حتى وفاته، إلا من بضعة مقالات.

بدأ نقده للجابري بما يخص إخوان الصَّفا (القرن الرابع الهجري)، على أن الجابري وصف فكرهم بـ«استقالة العقل»، وذلك في كتابه «تكوين العقل العربي» الذي شجع طرابيشي على نشره، بعد أن عرضت عليه دار النَّشر مخطوطة الكتاب، ومِن ذلك التاريخ استمر ناقداً للجابري، صارفاً خمسة وعشرين عاماً معه، وأسفر عن روائع الفكر مثل «نقد نقد العقل العربي» (جزآن 2002).

عندما تطالع كتب طرابيشي في تراث الإسلام، لا يفوتك فضل الجابري عليه في غور هذا الحقل الشَّائك مِن حقول المعرفة، والذي ما زال يشغلنا ويضيق علينا طريق المستقبل، لم يبق هذا مجرد تصور إنما اعترف به طرابيشي نفسه عندما قال عن صرف تلك السنين مع الجابري: «إنه أرغمني على إعادة بناء ثقافتي التُّراثية». سمعت مِن طرابيشي أنه متأسف مِن عدم تقدير مناقشته للجابري، خصوصاً مِن قِبل الكُتاب والباحثين المغاربة، فقد فهموا نقده هجوماً لاذعاً لا مناقشة ومكاشفة، وإذا كان الجابري معروفاً وحاضراً في الثقافة العربية، فما كتبه طرابيشي فيه قد فعّل ذلك الحضور.

يمثل فقد طرابيشي، في هذه اللحظة المعتمة مِن الزمن، خسارة في المواجهة مع كائنات الظَّلام، فمنذ ستينيات القرن المنصرم، بدأ في خدمة التنوير، بترجماته ومؤلفاته، متمكناً من أدواته في البحث والكتابة، فترجم في الفكر العالمي، من الفلسفة وعلم النفس والأدب. وفي الستينيات والسبعينيات والثمانينيات شغله التأليف في الماركسية والأيديولوجيا، والأدب العربي الحديث، وقضية المرأة، أما في التسعينيات وما بعدها فحصر اهتمامه في التراث الإسلامي، متوسعاً من نقده للجابري إلى ما أدركه من مفاصل ذلك التراث، فكتب «المثقفون العرب والتراث»، و«المعجزة وسبات العقل في الإسلام».

صحيح أن طرابيشي لا يعنيه الانتماء الديني أو سواه، بقدر ما يعنيه الفكر الإنساني، إلا أننا لا نغفل محنة مسيحيي الشرق في الإقصاء عن أرضهم الأُم، ولنا الاعتراف بأن تلك البيئة أنتجت مثل طرابيشي، الذي أغنى الدراسات عن التراث الإسلامي، وقدَّم له خدمة جليلة في إظهار عناصر العقل فيه، ومنها تصحيح ما ورد عن «إخوان الصفا» في كتاب الجابري.

كذلك لنا التذكير، ونحن نشيد بجهود طرابيشي، بمسيحيين كبار لولاهم ما وصلنا التراث الفلسفي والثقافي العالمي، الممثل بالإغريق، ويكفي أن نُذكر بجهود حُنين بن إسحاق العِبادي (ت 260ه)، من مسيحيي الحيرة، الذي خصه الخليفة المأمون (ت 281ه) بإدارة أعظم معهد علمي ببغداد، «بيت الحِكمة»، والذي ترجم أُمهات الفكر الفلسفي والطبي اليوناني، ثم احتل إسحاق بن حُنين (ت 298هـ) مكانة أبيه، ومَن صنف في تراجم الأطباء كان عالة عليه. ناهيك عن الأطباء والكُتاب المسيحيين الذين خدموا في الدولتين الأموية والعباسية.

فقدنا برحيل طرابيشي، الأستاذ والمؤلف والإنسان الراقي بأخلاقه وتواضعه، مفكراً عُدت مؤلفاته بالعشرات، وبالقدر نفسه كانت تراجمه لروائع الفكر الأجنبي، وبهذا مكن القارئ العربي من التعرف على فرويد وأمثاله.

أقول، من حق المسيحيين المزاحين عن ديارهم، ومنها مسقط رأس طرابيشي (حلب)، أن يتمثلوا بشاعرهم المطبوع الأخطل التَّغلبي (توفي نحو 92هـ)، عندما قال مذكراً مَن أنكر فضل قومه، وكأنه يناشد المتأخرين: «ألسنا مِن دمشقَ إلى عُمان/ ملأنا البرَّ أحياءً حلالا/ ودجلة والفرات وكلَّ وادٍ/إلى أن خالط النَّعم الجبالا»(الدِّيوان، وقومي تغلب والحي بكرٍ). أولئك أجداد طرابيشي، التارك لنا بعض سراج يخفف به ظلمة أخذت تتسع. أقول: كان أستاذنا تنويرياً صدوقاً، وذلك لكثرة المتراجعين عن التنوير لصالح التعصب والطائفية.

* نقلاً عن "الاتحاد"

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...