درس شعبي تركي... انحياز للدولة المدنية
الكاتب: جهاد المنسي
انحاز الشعب التركي للخيار الديمقراطي، ورفض بالمطلق حكم العسكر، وبعث رسالة للعالم وبعض قادة الجيش المتمردين بأن زمن الانقلابات في تركيا ولى من غير عودة، وأن الشعب التركي لا يرغب ولن يسمح بالتنازل قيد أنملة عن ديمقراطيته، مهما كان الرئيس الذي يجلس على سدة الحكم وخاصة أنه جاء بخيار شعبي.
في الساعات الثماني من ليلة الجمعة/ السبت الماضية انحازت مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب بكل أطيافها وتلاوينها المعارضة منها لأردوغان والموالية للرجل للخيار الديمقراطي، وأرسلت رسالة مفادها أن الوسيلة الوحيدة للتطور والتقدم هي الحرية والخيار الديمقراطي، وإن اختلفت معه، وأن حكم العسكر وتدخلهم في الحكم لا يستوي، وغير مقبول في مجتمعات متطورة خبرت عصر الانقلابات وجربته ورفضته، وتريد الخروج من عباءته، وقالت تلك الأحزاب إن الخلاف السياسي الذي كان قائما بين أردوغان وخصومه السياسيين ساحته فقط الديمقراطية وخيار الشعب وصناديق الاقتراع وساحة البرلمان وليس نزول العسكر للشارع، وقالوا إنه لا يمكن أن يكون خيار العسكر بديلا عن الحكم المدني، سواء أتفقت معه تلك الأحزاب أم اختلفت، أو امتلكت رؤى مخالفة للرئيس أو اتفقت معه.
المجتمع التركي بأحزابه ومؤسساته الدستورية قالوا إن الموقف الديمقراطي لا يتجزأ، وبعثوا رسالة لنا كعرب على وجه التحديد مفادها الانحياز للمجتمع المدني، وأن نكون ديمقراطيين في كل مكان، وأنه لا يجوز أن نكون كذلك في محفل، وعرفيين حتى النخاع في مكان آخر، فمن يؤمن بالديمقراطية وحكم الشعب عليه أن يؤمن بها في تركيا وفي بلادنا العربية من المحيط للخليج، ومن يؤمن بالدولة المدنية التي تم الدفاع عنها في تركيا عليه أن يؤمن بها في بلادنا العربية أيضا، وعليه أيضا رفض الاضطهاد الفكري والإنساني والجندري، ويطالب بمنح المرأة حقوقها وحقها بالترشح والانتخاب وخلافه من حقوق لا تنعم به المرأة العربية في بعض دولنا.
في الدرس التركي عبرة لأردوغان نفسه، الذي عليه التوقف مليا ويتفكر، ويعيد ترتيب أوراقه، ويعتبر، فهو لجأ لمواقع تواصل اجتماعي ووسائل إعلام خاصة، بعد أن أغلقت في وجهه قنواته الموالية له، بعد سيطرة الانقلابيين عليها، وفي تلك الصيرورة رسالة للرئيس التركي الذي ضيق مؤخرا على الإعلام وضاق به ذرعا، وأقفل محطات وصحف تهمتها أنها خالفته الرأي والفكر والمعتقد، وهذا يعني بوضوح أن الحرية والديمقراطية وحرية الرأي والنقد حجر الرحى لأي تطور ديمقراطي، كما عليه أن يعيد التفكير بأهمية وجود مساحة أوسع من حرية التفكير والنقد، وهذا تجلى في انحياز أحزاب يسارية تركية معارضة ناصبها أردوغان العداء، وناصبته النقد ضد الانقلاب على الديمقراطية، فأولئك غلبوا مصلحة الدولة المدنية على أي خلاف.
الرئيس التركي يتوجب عليه الانكفاء للداخل التركي، وإعادة ترتيب بيته الداخلي والإيمان المطلق بأن سياسة الرجل الأوحد والحزب الأوحد والحاكم بأمره لا تستقيم ديمقراطيا، وفتح صفحة مع الجميع وخاصة المعارضين منهم، ومنحهم الحق في التعبير والرأي وعدم التضييق عليهم أو منعهم من التجمهر والاعتراض، ومنح الإعلام بكل أصنافه وتلاوينه ومنصات التواصل الاجتماعي التي لجأ إليها أردوغان لمخاطبة شعبه وحثه على النزول للشارع الحق في العمل من دون تضييق أو حجر على الأفكار.
الانقلاب فشل، هذا صحيح ولكن فيه ما فيه من عبر مستفادة يتعين على الرجل الاستفادة منها، كما يتوجب علينا نحن في هذه المنطقة وكعرب أن نعي الدرس التركي، إذ لا يكفي أن نشبع "فيسبوك و"تويتر" تأييدا لأردوغان أو نقدا له من دون أن يكون لنا موقف تجاه تعزيز الحرية والديمقراطية، ومنح الشعب حقوقه المدنية والذهاب للدولة المدنية الذي تعهد أردوغان وحزبه بالحفاظ عليها، فهو يعرف أن نقطة الطلاق بينه وبين شعبه هو التخلي عن الديمقراطية والدولة المدنية.
نقلا عن "الغد" الأردني

