كيف ننقذ مشروع الدولة
الكاتب: هاني عوكل
فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية أحدث صخباً عالمياً مدوياً، خاصةً وأن الرجل التزم بتصريحاته ووعوده التي أطلقها إبان ترشحه للانتخابات الرئاسية، ونفّذ العديد منها بسرعة الصاروخ.
ترامب على الفور أعطى أوامره لوقف الهجرة إلى الولايات المتحدة، ومنع مواطني سبع دول من دخول أميركا، يشمل ذلك أصحاب التأشيرات القصيرة والإقامة، ومن المرجح أن يأخذ الرئيس الأميركي قراراً آخر بإدراج مواطني دول أخرى على لائحة الممنوعين من السفر.
على صعيد الموقف من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، تعهد ترامب بنقل مقر السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، غير أنه قال إنه من المبكر الشروع في هذا الإجراء، ولوح برسالة مهمة لحليفه بنيامين نتنياهو أن لا يُقبل الأخير على اتخاذ خطوات أحادية الجانب دون العودة إلى السيد الأميركي.
قبل استلام ترامب سلطاته، كان نظيره السابق باراك أوباما ينتقد الاستيطان الإسرائيلي ويعتبر أن تسمين المستوطنات سيؤدي إلى منع قيام الدولة الفلسطينية، وذهب أبعد من ذلك حين امتنعت الولايات المتحدة عن استخدام الفيتو في وجه قرار صدر عن مجلس الأمن يدين الاستيطان جملةً وتفصيلاً.
على أن تصريحات أوباما بشأن الاستيطان لم تعد مجدية، لأن ترامب حدد خريطة الطريق التي يسير على أساسها نتنياهو ويهتدي بها، حين يواصل المجتمع الدولي أو حتى الاتحاد الأوروبي اعتراضه على السياسات الاستيطانية العنصرية.
منذ قرار مجلس الأمن الدولي بشأن وقف الاستيطان الإسرائيلي قبل أكثر من شهر بقليل، والسياسات الحكومية الإسرائيلية لا تستهدف سوى الاستيطان، حتى أن عدد الوحدات الاستيطانية التي أُعلن عنها منذ صدور القرار إلى يومنا هذا أكثر من 6000 وحدة استيطانية.
المشكلة أن الأمم المتحدة غير قادرة على فعل شيء تجاه سياسة إسرائيل الاستيطانية، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي الجديد هدّد المنظمة الدولية بوقف المساعدات المادية الأميركية في حال سايرت السلطة واستجابت إلى مواقفها بشأن الاستيطان وموضوع الدولة المستقلة.
أساساً أول ما فعله ترامب حين استلم السلطة قبل أسبوعين تقريباً، هو وقف قرار تقديم مساعدات مادية للسلطة الفلسطينية، كان قد أقره أوباما قبل مغادرته السلطة، وفعل أكثر من ذلك حين هدد السلطة الفلسطينية بوقف المساعدات بشكل تام إذا توجهت إلى المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة إسرائيل.
لا بل إن إدارة ترامب ستزيد على قرار الوقف التام لتقديم المساعدات المادية للسلطة، إلى حد إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة واشنطن، في حال أقبلت السلطة الفلسطينية نحو الهيئات الدولية للاحتكام والفصل بينها وبين إسرائيل على خلفية سياساتها العنصرية.
التعيينات التي أجراها الرئيس الأميركي مؤخراً فيما يتعلق بملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، يبدو أن جميعها يصب في صالح السياسة الصهيونية القائمة على وأد مشروع الدولة الفلسطينية، ذلك أن تعيين ديفيد فريدمان سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل يترجم علاقة الحب التي يكنها ترامب لنتنياهو.
ثم إن تعيين جاريد كوشنر كبيراً لمستشاري ترامب في الشرق الأوسط، سيؤكد إن عاجلاً أم آجلاً قوة العلاقة التي تربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً وأن المؤسسة الخيرية المملوكة لعائلة كوشنر تبرعت بآلاف الدولارات لمستوطنين ومستوطنات إسرائيلية.
هذا يعني أن الولايات المتحدة تؤكد موقفها بأنها طرف غير حيادي وليس شريكاً مناسباً لعملية السلام، بل إنها الطرف الذي يدعم إسرائيل كل الوقت، ويوفر لها الحماية والغطاء الدولي للمضي بسياساتها التوسعية العنصرية على حساب الفلسطينيين ومشروعهم الوطني.
أضف إلى ذلك أن إسرائيل تراوغ مع المجتمع الدولي وتتحايل عليه بابتداع قصة المستوطنات الشرعية وأخرى غير الشرعية، وكأن تلك المبنية على أراضي الضفة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية ليست شرعية، بينما باقي المستوطنات المقامة أصلاً على أراضي الفلسطينيين وغير خاضعة لسيادة السلطة الفلسطينية هي مستوطنات شرعية؟
في حقيقة الأمر، إن كل المستوطنات هي غير شرعية، سواء مستوطنة عمونا أو باقي المستوطنات في الضفة، ثم إن إسرائيل تمارس الابتزاز والسرقة حين تقر بنقل مستوطني عمونا إلى أراض تابعة للسلطة، فكأنها تقول للمجتمع الدولي: "لا تقلقوا نحن نمارس الاستيطان ضمن قوانين ووفق سياسة أخلاقية".
بصريح العبارة يمكن القول إن نتنياهو عدو الدولة الفلسطينية ولا يريدها على الأرض، نعم قد يقبل بها شكلاً وكلاماً، لكنه لا يقبل بها مضموناً ودولة من لحم وشحم ودم، ولذلك فإنه سيستثمر وجود شريكه في السلطة دونالد ترامب لقبر مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.
ما سيفعله ترامب هو محاصرة الجهد الدبلوماسي الفلسطيني على الساحة الدولية، وفي نفس الوقت إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل من أجل القيام بما تفلح فيه أساساً من استفراد بالقضية الفلسطينية، ولعله –ترامب- سيتخذ خطوات وقرارات جريئة على المستوى الدولي، تجعل من القضية الفلسطينية في آخر أولويات العالم.
ترامب ونتنياهو يفعلان ذلك، لأنه بنظرهما لا يوجد طرف قوي يقف عائقاً أمام فلسفتهما في العمل، فإذا كان هناك تحالف أميركي- إسرائيلي فولاذي، فإن الفلسطينيين ليس لديهم من يدعمهم في تسليط الضوء على قضيتهم وإعطائها كل العناية اللازمة.
وصول ترامب إلى السلطة والتكشير عن أنيابه وفرض عضلاته على الفلسطينيين، يحتاج أولاً وقبل كل شيء، إعادة التوازن في العلاقات الفلسطينية الداخلية، لأن الانقسام سيعني الكثير لإدارة ترامب ولنتنياهو أيضاً، هؤلاء الذين يراهنون على فشل إدارة القضية الفلسطينية، وعدم الاقتناع بأهلية السلطة الفلسطينية للحصول على دولة مستقلة.
اللحظة تستدعي الوحدة الفلسطينية الداخلية، وتستدعي أيضاً إعادة التوازن في العلاقات الفلسطينية- العربية، وفي العلاقات العربية- العربية، لأن ترامب الذي يريد استعادة العظمة لبلاده، سيفعل ذلك على حساب الجميع، على حساب أصدقائه وأعدائه، والعبرة في أن يكون العرب طرفاً لاعباً في الساحة الدولية، لا عكس ذلك.
فإما أن يتوحد الفلسطينيون ويضعوا أيديهم في يد إخوانهم العرب لوقف مشروع تمويت الدولة الفلسطينية، ووقف كل الاستهتار الأميركي والإسرائيلي بالعرب، وإما أن يظل حالنا عالقاً بين صراعنا الداخلي، وبين كوننا الكرة التي تقذف وتطير من مكان إلى آخر.

