ماذا بعد قانون التسوية؟
الكاتب: هاني عوكل
قانون التسوية الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، مساء الإثنين الماضي، شكّل ضربة قوية لمشروع حل الدولتين، والذي لم يكن في الأساس بالنسبة للدولة العبرية مشروعاً حقيقياً، فضلاً عن أنه يشكل صفعةً قوية لجهود المجتمع الدولي في إيجاد تسوية معقولة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.
كان متوقعاً من دولة عنصرية احتلالية أن تمرر مثل هذا القانون الذي يرضي المستوطنين، ذلك أن الحكومة اليمينية المتطرفة برئاسة نتنياهو، ليس لها هدف في السلطة غير إقصاء حل الدولتين جانباً، وتوسيع الدولة العبرية إلى ما يسمى بأرض إسرائيل التاريخية.
ما يسمى بقانون التسوية الذي أيده الكنيست ووافق عليه، يتيح نهب الأراضي الفلسطينية لجهة إقامة مستوطنات وبؤر استيطانية، أي أنه يشرعن ويحصن المستوطنات التي بنيت على أراض يمتلكها فلسطينيون في الضفة الغربية.
إسرائيل لم تكن بحاجة إلى مثل هذا القانون حتى تعبّر عن سياستها وعن نفسها، خصوصاً وأنها حرصت في زمن الإدارات الأميركية المتعاقبة، على توسيع المستوطنات شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، من أجل منع أي تواصل جغرافي سياسي فلسطيني حقيقي في المستقبل.
الموضوع لا يتعلق برغبة إسرائيلية في منع قيام دولة فلسطينية متماسكة جغرافياً، إنما الهدف الأساس للدولة العبرية يتعلق في كونها مبنية على عقيدة تستهدف التهام الضفة الغربية وتجسيد الدولة اليهودية من النهر إلى البحر.
نعم، كانت إسرائيل كل الوقت تتغذى وتعتاش على سياسة سرقة أراضي الفلسطينيين، ولم يفعل المجتمع الدولي والعرب أكثر من الشجب والتنديد، غير أن تقنين المستوطنات في الضفة الغربية يعكس تحدياً إسرائيلياً للمجتمع الدولي، خصوصاً بعد قرار مجلس الأمن 2334 بخصوص تجريم الاستيطان الإسرائيلي.
منذ البداية، فضّل نتنياهو التعامل مع الرؤساء الجدد في عواصم دول مهمة وحليفة، على أنه لا ينظر في الموضوع الفلسطيني أبعد من تكريس الاستيطان، وكان ملاحظاً للقاصي والداني أنه بالتزامن مع فوز دونالد ترامب في رئاسة السلطة، وكذلك الحال بالنسبة لتيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية، أن عرّاب الحكومة الإسرائيلية يعتمد سياسة التوسع الاستيطاني قلباً وقالباً.
القانون صدر أيضاً بعد التحمس الفرنسي لإقامة مؤتمر للسلام أدان توسيع المستوطنات وثمّن الحرص على ترجمة شعار حل الدولتين، الأمر الذي يمكن فهمه على أن نتنياهو لن يتسامح بخصوص الاستيطان مع الرؤساء الجدد في السلطة، وهي رسالة قوية للرئيس الفرنسي المقبل على إدارة البلاد بأن إسرائيل دولة مستوطنات لا دولة سلام.
يعتقد نتنياهو هنا أن تمرير مثل هذا القانون وقبله توسيع المستوطنات بما يزيد على 6000 وحدة استيطانية، كل ذلك يأتي في ظل ظروف دولية ملبّدة، وهي تناسبه جداً، حيث إن الولايات المتحدة حليفته الرئيسة تفتح ذراعيها له.
ترامب أميركا هو الحليف المناسب الذي كان يحلم به نتنياهو وينتظره لاستلام السلطة، وعلى هذا فإن الموقف الأميركي سيسير في طريقين: الأول أنه سيدعم رئيس الحكومة الإسرائيلية بقوة، والثاني أنه سيدير ظهره لملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي حتى تستفرد به الأخيرة.
صحيح أن الاتحاد الأوروبي يعارض الاستيطان ويصفق لحل الدولتين، غير أنه هو الآخر ينظر في سلته ويلاحظ أن هناك قضايا ذات أولوية تسبق موضوع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، مثل مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة وروسيا، وخروج بريطانيا من الاتحاد وغيرها العديد من الملفات الأخرى.
أما الحال العربي، فهو حال مأزوم ومهزوم منذ فترة طويلة، ومن الصعب المراهنة على العرب في تحصيل الحقوق الفلسطينية، وحتى في تشكيل لوبي قوي "يضبع" إسرائيل ويمنعها من تمرير مشروعاتها الاستيطانية، بدليل أن القدس الشرقية قاب قوسين أو أدنى من التهويد ولم يفعل العرب شيئاً.
هناك حفريات على قدم وساق تحت المسجد الأقصى، ولا أحد سمع أكثر من الإدانات والشجب والاستنكار، حتى أن إسرائيل تطاولت على الجنوب اللبناني والجولان السوري المحتل وقطاع غزة، ولم يتحرك العرب وحتى المجتمع الدولي.
السؤال هنا: ماذا بعد قانون التسوية؟ إذا وضعنا صوب أعيننا ومضينا في تحليل ما سيحدث في المستقبل، فإنه يجوز القول: إن إسرائيل ستفلت من العقاب، وستقدم على ارتكاب المزيد من الحماقات طالما لا يوجد هناك من يردعها.
من طرحها لقانون التسوية، قالت إسرائيل كلمتها، وهي أنها لا تقبل بدولة فلسطينية صاحبة سيادة على حدود العام 1967، وربما الحل الوحيد الذي قد توافق عليه هو بقاء الوضع على ما هو عليه، سلطة بحكم ذاتي تدير نفسها وشؤون الفلسطينيين.
إسرائيل قالت كلمتها في موضوع الدولة الفلسطينية، فماذا على الفلسطينيين أن يقولوا في ذلك؟ هل عليهم أن يقبلوا بسياسة الأمر الواقع، أو أن يشتكوا أمرهم للمجتمع الدولي والعرب أم يحجزوا مقعداً خلف القاطرة الروسية لينتظروا الفرج من عند الله؟
ليس كافياً أن يهدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطع التعاون الأمني مع إسرائيل إذا استمرت في الاستيطان، خصوصاً وأن الأخيرة ماضية في الاستيطان منذ زمن، وعليه فإن المطلوب أمران لا ثالث لهما، الأول يتصل بالعودة إلى الحضن الفلسطيني، فالرد الأمثل على الجرائم الإسرائيلية هو العودة عن الانقسام بتحقيق الوحدة الوطنية، يا أخي على الأقل دعونا نتوحد عند الأزمات، أليست هذه أزمة قوية تستدعي لم الشمل من أجل صون وحماية المكتسبات الفلسطينية؟
الأمر الثاني، يتعلق بوقف التنسيق الأمني والتعاون مع إسرائيل، وإعلان النفير العام في فلسطين كل فلسطين، ولا يعني ذلك بالضرورة دعوة لانتفاضة مسلحة، بقدر ما هي تحميس وتنشيط الانتفاضة السلمية وفضح إسرائيل وإعادة الاعتبار لمركزية القضية الفلسطينية.
يشمل ذلك بطبيعة الحال الاتصال والتحرك الفلسطيني الدبلوماسي لتوسيع دائرة الأصدقاء المعادين للسياسات الإسرائيلية، وتفعيل الحق الفلسطيني المشروع في إقامة الدولة على صعيد المؤسسات الدولية وأولها الأمم المتحدة.
إسرائيل قد تذهب الآن إلى قطاع غزة، ملاذها الآمن من أجل حرف الأنظار عن قانونها العنصري وتمريره بكل سلاسة، فضلاً عن هروبها من أي ارتدادات على المستوى الداخلي، والهدف الفلسطيني الآن هو تسليط بقعة هائلة من الضوء على السياسة العنصرية الإسرائيلية وتركيز النظر على الاستيطان في الضفة والقدس.
إذا لم يفعل الفلسطينيون ذلك، إن عاجلاً أم آجلاً، فإن إسرائيل ستمضي في إقرار قوانين من شأنها أن تترجم بسرعة الصاروخ الدولة اليهودية التي لا تؤمن بحل الدولتين وترفض وجود دولة فلسطينية قابلة للحياة، سواء بتواصل جغرافي أو حتى دون ذلك.

