جاد كنعان الطويل.. من معاناة الهيموفيليا إلى الدفاع عن حقوق المرضى

2026-09-14 21:06:08

استضاف بودكاست «ضيف الرايـــة» برعاية شركة جوال، الناشط المجتمعي والإعلامي ورئيس الجمعية الفلسطينية لأمراض نزف الدم، جاد كنعان الطويل، في حلقة تناولت جوانب من حياته الشخصية وتجربته الطويلة مع مرض الهيموفيليا، إلى جانب العمل التطوعي والمجتمعي، وواقع القطاع الصحي في فلسطين، وقضايا المرضى وحقوقهم.

وفي حوار امتد إلى محطات مختلفة من حياته، تحدث الطويل عن ارتباطه بمدينة القدس والبيرة، ورحلته إلى الولايات المتحدة، وتجربته مع المرض وزراعة الكبد، وصولاً إلى انخراطه في العمل المجتمعي والتطوعي، ومواصلته الدفاع عن حقوق مرضى الأمراض المزمنة.

القدس والبيرة.. بدايات تشكل الشخصية

وأوضح الطويل أنه من عائلات مدينة البيرة، لكنه وُلد في مدينة القدس عام 1964، في مستشفى الهوسبيس، مشيراً إلى أن القدس بقيت جزءاً أساسياً من هويته وذاكرته.

وتحدث عن طفولته ومراحل دراسته في حواري مدينة البيرة ومخيم الأمعري، قبل أن ينتقل إلى المرحلة الجامعية، حيث درس لفترة في جامعة بيت لحم، ثم في جامعة بيرزيت، قبل مغادرته فلسطين إلى الولايات المتحدة عام 1985.

وقال إن انتقاله إلى الولايات المتحدة لم يكن بهدف الاغتراب فقط، وإنما جاء للدراسة والسعي إلى العلاج من مرض الهيموفيليا الذي رافقه منذ ولادته.

الهيموفيليا.. مرض رافقه منذ الولادة

وشرح الطويل أن الهيموفيليا مرض يؤثر في عملية تخثر الدم نتيجة خلل جيني يؤدي إلى نقص أحد عوامل التخثر، ما يجعل النزيف أكثر خطورة حتى في حالات الإصابات أو الجروح البسيطة.

وأشار إلى أن المرض لم يكن، رغم مضاعفاته، عائقاً أمام حياته أو مشاركته المجتمعية، مؤكداً أن تجربته مع المرض شكلت لاحقاً أحد أهم دوافعه للانخراط في الدفاع عن حقوق المرضى والعمل من أجل الفئات المهمشة.

رحلة طويلة بين فلسطين وأميركا

استذكر الطويل سنوات إقامته في الولايات المتحدة، موضحاً أنه غادر فلسطين عام 1985 وعاد إليها عام 1997، لكنه لم يمكث سوى نحو 11 شهراً قبل أن يعود مجدداً إلى الولايات المتحدة، بعدما وجد الواقع مختلفاً عما كان يتوقعه عقب اتفاق أوسلو.

وقال إنه عاد إلى فلسطين مجدداً عام 2004، وهذه المرة اتخذ القرار دون استشارة واسعة، تاركاً زوجته وأبناءه في الولايات المتحدة، أملاً في العمل في المجال الإعلامي، قبل أن ينتقل إلى العمل في العلاقات العامة والعمل المجتمعي.

وخلال الفترة الممتدة منذ عام 2004، عمل الطويل في عدد من المؤسسات، من بينها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وبلدية البيره، والهلال الأحمر القطري، ومنظمات دولية، إلى جانب نشاطه الإعلامي والمجتمعي.

كما خاض تجربة إعلامية تطوعية من خلال برنامج إذاعي قدم خلاله عشرات الحلقات التي تناولت قضايا الناس والمجتمع.

العمل التطوعي.. بذرة بدأت منذ الطفولة

أكد الطويل أن ارتباطه بالعمل التطوعي لم يبدأ بسبب تجربته مع الهيموفيليا، بل تعود جذوره إلى سنوات الدراسة، عندما كان ناشطاً في مركز شباب الأمعري، وشارك في لجان تطوعية شملت تنظيف الشوارع، والمساعدة في إعادة ترتيب المرافق، وأعمالاً مجتمعية مختلفة.

وأضاف أن تجربة المرض والشفاء من مضاعفاته عززت لديه الإيمان بأهمية العمل التطوعي وخدمة الفئات التي تحتاج إلى الدعم.

وأشار إلى أن العمل التطوعي كان أكثر حضوراً في المجتمع الفلسطيني خلال الثمانينيات والتسعينيات، معتبراً أن تراجع هذا الدور في السنوات الأخيرة يشكل دافعاً إضافياً له للاستمرار في العمل التطوعي وتشجيع الشباب على الانخراط فيه.

مدرسة الهاشمية.. محطة في الوعي الوطني

وتوقف الحوار عند ذكريات الطويل في مدرسة الهاشمية بمدينة البيره، التي وصفها بأنها كانت محطة أساسية في حياته خلال المرحلة الثانوية.

وقال إن المدرسة شكلت بالنسبة له ولزملائه رمزاً للعمل الوطني والتطوعي، حيث شارك الطلبة في لجان للعمل التطوعي، كما شهدت المدرسة نشاطات ذات طابع وطني رغم الظروف السياسية والأمنية في تلك الفترة.

واستذكر عرض مسرحية «كاسك يا وطن» داخل المدرسة، معتبراً أن تلك التجارب ساهمت في تعزيز الشعور بالانتماء والكرامة والقدرة على المبادرة والعمل الجماعي.

زراعة الكبد.. نقطة التحول في رحلة المرض

ومن أكثر محطات حياته صعوبة، تحدث الطويل عن المضاعفات التي تعرض لها نتيجة مرض الهيموفيليا، والتي أدت، وفق روايته، إلى إصابته بتشمع في الكبد وتوقف وظائفه.

وقال إن حالته الصحية تدهورت بصورة كبيرة، وإن وزنه انخفض من نحو 120 كيلوغراماً إلى 35 كيلوغراماً، ليصبح خيار زراعة الكبد هو الحل الطبي المتاح أمامه.

وبعد فترة صعبة وصفها بأنها كانت بين الحياة والموت، أجريت له عملية زراعة كبد في الولايات المتحدة.

وأوضح أن زراعة الكبد أدت، بحسب حالته الطبية، إلى استعادة إنتاج عوامل التخثر في جسمه، الأمر الذي أنهى معاناته مع الهيموفيليا. وذكر أنه كان من الحالات المبكرة عالمياً التي شُفيت من الهيموفيليا نتيجة زراعة الكبد، وفق ما رواه في الحلقة.

ويرى الطويل أن هذه التجربة لم تدفعه إلى الابتعاد عن قضية المرضى بعد شفائه، بل على العكس، جعلته أكثر تمسكاً بها، وتحولت تجربته الشخصية إلى حافز لمواصلة العمل التطوعي والدفاع عن حقوق مرضى الأمراض المزمنة.

30 عاماً من العمل مع مرضى نزف الدم

وأكد الطويل أنه لا يزال رئيس مجلس إدارة الجمعية الفلسطينية لأمراض نزف الدم، التي بدأ العمل على تأسيسها في منتصف تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى مرور نحو ثلاثة عقود على تأسيس الجمعية.

وقال إن نشاطه لم يتوقف عند الهيموفيليا، بل امتد إلى قضايا المجتمع المدني والعمل التطوعي والخدمات الصحية وحقوق الأشخاص المصابين بالأمراض المزمنة.

نقص الأدوية.. معاناة يومية للمرضى

وانتقل الحوار إلى واقع القطاع الصحي الفلسطيني، حيث تحدث الطويل عن الصعوبات التي يواجهها المرضى نتيجة نقص الأدوية وتراجع الخدمات الصحية.

واستشهد بتجربته الشخصية، موضحاً أنه يحتاج منذ سنوات إلى ثمانية أنواع من الأدوية بشكل دوري، لكنه لا يحصل عادة على جميع الأصناف المطلوبة، مشيراً إلى أنه يحصل في بعض الأحيان على ثلاثة أصناف فقط من أصل ثمانية.

ولفت إلى أن المشكلة لا تقتصر على مرضى الهيموفيليا، وإنما تشمل مرضى السكري والضغط وأمراض القلب والكلى والتصلب اللويحي والثلاسيميا والصحة النفسية وغيرها من الأمراض المزمنة.

وقال إن بعض الأدوية قد تبدو منخفضة التكلفة، لكن عدم توفرها في المراكز الصحية يضع عبئاً إضافياً على المرضى الذين قد لا يستطيعون شراءها من الصيدليات.

«دواء بـ10 شواكل» قد يكون مسألة حياة للمريض

وضرب الطويل مثالاً على دواء لا تتجاوز كلفته نحو 10 شواكل، لكنه قد لا يكون متوفراً في المستشفى، ما يضطر المريض إلى مغادرة المستشفى والبحث عنه في الصيدليات.

وأشار إلى أن المشكلة، في رأيه، لا ترتبط دائماً بارتفاع قيمة الدواء، وإنما بغياب منظومة متكاملة تضع احتياجات المرضى على رأس الأولويات.

وأضاف أن بعض الأدوية المتخصصة لمرضى الأمراض المزمنة والنادرة قد تكون مرتفعة الثمن، ما يجعل توفيرها مسؤولية أساسية تقع على عاتق الجهات الصحية والمؤسسات المعنية.

مرضى الهيموفيليا.. العلاج قد يكون مسألة حياة أو موت

وبصفته رئيساً للجمعية الفلسطينية لأمراض نزف الدم، شدد الطويل في حديث عبر بودكاست "ضيف الرايـــة" على خطورة عدم توفر عوامل التخثر لمرضى الهيموفيليا.

وأوضح أن مرضى الهيموفيليا يحتاجون إلى أنواع مختلفة من عوامل التخثر، وأن تأخر العلاج عند حدوث نزيف يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، من بينها تلف المفاصل والعضلات والأعضاء الداخلية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار إلى أن الجمعية تتعامل مع حالات مرضية على مدار الساعة، وتتابع معاناة المرضى واحتياجاتهم، داعياً صناع القرار إلى الاستماع بصورة أكبر إلى الجمعيات المتخصصة والمرضى عند وضع الخطط الصحية والأولويات الدوائية.

الصحة والتعليم أساس تقدم المجتمع

وربط الطويل بين واقع القطاع الصحي وواقع التعليم، معتبراً أن الصحة والتعليم يشكلان أساس تقدم أي مجتمع.

وانتقد تراجع الاهتمام بالتوعية الصحية داخل المناهج التعليمية، مشيراً إلى أن بعض الأمراض المزمنة، مثل الهيموفيليا والثلاسيميا، كانت تحظى بمساحة في المناهج قبل أن تتراجع أو تختفي، وفق حديثه.

وأكد أهمية أن يترافق العلاج مع التوعية والتثقيف، خصوصاً في المدارس، لمنع عزل الأطفال المصابين بالأمراض المزمنة أو حرمانهم من الاندماج في البيئة التعليمية.

«لا تخجلوا من المطالبة بحقوقكم»

وجه الطويل رسالة إلى أهالي الأطفال المصابين بالأمراض المزمنة، داعياً إياهم إلى عدم السكوت عن حقوق أبنائهم.

وقال إن إصابة الطفل بالهيموفيليا أو أي مرض مزمن لا ينبغي أن تكون سبباً لمنعه من دخول المدرسة أو الروضة، داعياً الأهالي إلى التواصل مع مديريات التربية والتعليم ووزارة الصحة والمطالبة بتكامل الخدمات الصحية والتعليمية.

وأكد أن التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها، وإنما هو عملية تراكمية تحتاج إلى رفع الصوت وطرح المشكلات الواقعية والمطالبة بالحلول.

المشاركة المجتمعية والانتخابات

وتطرق الحوار إلى المشاركة السياسية والمجتمعية والانتخابات المحلية، حيث رأى الطويل أن المشاركة في الانتخابات البلدية لا ينبغي بالضرورة أن تكون مرتبطة بالانتماء الحزبي أو السياسي.

واقترح أن يكون للأشخاص المصابين بأمراض مزمنة أو ذوي الاحتياجات الصحية والتعليمية حضور أكبر في العمل العام، وأن يشكلوا جزءاً من عملية صنع التغيير والدفاع عن قضاياهم.

وأكد أن المشاركة المجتمعية يمكن أن تكون مدخلاً لمعالجة الخلل في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.

شارع القدس.. من الكتابة إلى «دق الخزان»

ومن القضايا المحلية التي تحدث عنها الطويل، اهتمامه بواقع شارع القدس في مدينة البيره، باعتباره أحد سكان المنطقة، حيث يوثق بشكل مستمر ما يراه من مشكلات تتعلق بالمرور والسلامة العامة والخدمات.

وقال إنه كتب منذ عودته إلى فلسطين عام 2004 رسالة إلى بلدية البيره بعنوان «لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي»، في محاولة للفت الانتباه إلى المشكلات القائمة.

وتحدث عن مشكلات الازدحام وإغلاق الشوارع خلال المناسبات، وتأثير ذلك على حركة سيارات الإسعاف، إضافة إلى مخاطر السرعة وعدم الالتزام بالإشارات المرورية وضعف الإنارة في بعض المناطق.

وأشار إلى أن وجود أكاديميات كرة قدم للأطفال بالقرب من الشارع يزيد من أهمية معالجة مشكلات السلامة المرورية، خصوصاً مع عبور الأطفال للشارع بشكل متكرر.

كما انتقد بعض مظاهر الإزعاج في ساعات الليل، داعياً إلى تعزيز الرقابة والسلامة العامة وتنظيم الحركة في الشوارع.

العائلة.. سند أساسي في مواجهة الأزمات

وأكد الطويل أن العائلة لعبت دوراً أساسياً في حياته، معتبراً أن الدعم العائلي يشكل عاملاً مهماً في قدرة الإنسان على تجاوز الأزمات والتقدم إلى الأمام.

واستذكر حادثة مر بها خلال أزمة صحية، عندما لجأ إلى شقيقه الذي ساعده في الوصول إلى الحل، معتبراً أن الروابط العائلية والاجتماعية يمكن أن تشكل سنداً مهماً إلى جانب الإمكانات الطبية والمؤسساتية.

«الهيموفيليا جاد والقدس».. سيرة شخصية في كتاب

وفي ختام الحلقة، تحدث الطويل عن كتابه «الهيموفيليا جاد والقدس»، الذي جمع فيه جانباً من تجربته الشخصية مع المرض والقدس والحياة والعمل المجتمعي.

وقال إن فكرة خاتمة الكتاب ارتبطت بذكرى شقيقه أيمن، الذي توفي جراء مضاعفات الهيموفيليا، وزميلته رشا أبو غوش، التي توفيت جراء مضاعفات الثلاسيميا.

وأوضح أنه تذكرهما خلال عرض فني لفرقة الفن الشعبي الفلسطيني في قصر رام الله الثقافي، عندما أطفئت الأنوار وبدأ العرض، فوجد نفسه يكتب خاتمة الكتاب متأثراً بذكراهما.

وصدر الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية عن دار الياحور في أبو ديس، فيما أشار الطويل إلى أن الطبعة الثانية يجري العمل على طباعتها في الأردن، مع تطلعه إلى إصدار طبعة ثالثة في مصر.

تجربة شخصية تتحول إلى رسالة عامة

وقدم بودكاست «ضيف الرايـــة» تجربة الطويل باعتبارها مسيرة تجمع بين المرض والعمل التطوعي والإعلام والمجتمع والمدينة، حيث تحولت تجربة شخصية قاسية مع الهيموفيليا إلى دافع للاستمرار في العمل من أجل المرضى والفئات المهمشة.

وفي ختام الحلقة، شدد الطويل على أهمية ألا تقتصر معالجة الأزمات على الحديث عنها، بل أن تتحول القضايا المطروحة إلى مطالب وحلول وأولويات واضحة، مؤكداً أن التغيير يبدأ من رفع الصوت والمبادرة والمشاركة المجتمعية.

بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.