في ضيف الراية | د. محمود رزيقات يكشف أسرار ثورة الجينات في فلسطين
في حلقة استثنائية من بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، استضاف البرنامج اختصاصي العلوم والأمراض الوراثية الدكتور محمود رزيقات، في حوار جمع بين الجانب الإنساني والمهني، واستعرض مسيرة علمية بدأت بشغف طالب فلسطيني وانتهت بإنجازات طبية وبحثية تضع فلسطين على خارطة الابتكار في علوم الوراثة.
وافتتح رزيقات حديثه بالتأكيد على أن المجتمع الفلسطيني والعربي يتميز بترابطه العائلي، إلا أن هذا الترابط يرفع في المقابل من احتمالية انتشار الأمراض الوراثية نتيجة زواج الأقارب، مشيراً إلى أن المنطقة العربية لا تزال بحاجة إلى مزيد من المراكز البحثية والكفاءات المتخصصة في هذا المجال.
رحلة بدأت بالشغف
ووصف رزيقات نفسه بأنه شاب فلسطيني طموح، حمل منذ سنوات الدراسة حلم التميز وخدمة وطنه، مؤكداً أن كل نتيجة فحص أو دراسة علمية تمثل بالنسبة له بداية لفكرة بحثية جديدة يمكن أن تسهم في إنقاذ حياة المرضى.
وأوضح أن بداياته البحثية كانت خلال دراسته في مصر، حيث أنجز مشروعاً بحثياً حول فيروس التهاب الكبد الوبائي (Hepatitis C)، نجح من خلاله في تحديد منطقة جينية مسؤولة عن إنتاج بروتين يمكن الاستفادة منه في تطوير وسائل تشخيصية وعلاجية، وهو ما أهله للحصول على فرصة بحثية في بريطانيا، وهناك أطلق عليه أحد أساتذته لقب "العالِم الصغير".
التخصص الأصعب... لكنه الأقرب إلى حلمه
وأشار رزيقات إلى أن اختياره تخصص التكنولوجيا الحيوية والعلوم الوراثية لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة رغبته في دخول مجال جديد ومؤثر، لافتاً إلى أن شغفه الحقيقي بدأ عندما انتقل من قراءة النظريات إلى تطبيقها داخل المختبرات وإجراء التجارب العلمية بنفسه.
وأضاف أن رحلة الدراسة لم تكن سهلة، إذ اضطر خلال وجوده في أستراليا إلى العمل في البناء، وقيادة سيارات الأجرة، والعمل في مصانع الأخشاب، لتغطية نفقات دراسته، قبل أن يحصل على الإقامة ويعمل لاحقاً في المجال الأكاديمي.
العودة إلى فلسطين... رغم كل شيء
ورغم الفرص التي كانت متاحة أمامه في الخارج، عاد رزيقات إلى فلسطين بعد تلقيه دعوة للمشاركة في تأسيس خدمات الفحوصات الوراثية محلياً، ليبدأ العمل على إنشاء أول منظومة متخصصة بإجراء هذه الفحوصات داخل فلسطين، بدلاً من إرسال العينات إلى الخارج.
وأوضح أن نجاح هذه التجربة دفع وزارة الصحة إلى تبني مشروع وطني لإنشاء المركز الوطني لتشخيص السرطان والأمراض الوراثية، والذي أصبح لاحقاً يحمل اسم مركز الدكتور أسامة النجار تكريماً له.
كيف تعمل الجينات؟
وخلال الحلقة، قدم رزيقات شرحاً مبسطاً لمفهوم الجينات، موضحاً أنها التعليمات الوراثية الموجودة داخل الخلايا، والتي تتحكم في تكوين أعضاء الجسم ووظائفه، بدءاً من القلب والعظام وحتى لون العينين واستجابة الجسم للأدوية.
وأكد أن التقدم العلمي بات يسمح اليوم بفهم هذه الجينات بصورة دقيقة، بل وإجراء تدخلات تساعد مستقبلاً على الوقاية من الأمراض قبل ولادة الأطفال.
إنجازات تعيد الأمل للعائلات
وسلط رزيقات في حديثه عبر شبكة رايـــة الإعلامية، الضوء على عدد من الحالات التي نجح فيها وفريقه في مساعدة عائلات عانت لسنوات من أمراض وراثية قاتلة، من خلال تشخيص الطفرات الجينية المسببة للمرض، وفحص الأجنة قبل إرجاعها إلى الرحم، واختيار الأجنة السليمة فقط.
واستعرض قصة عائلة فلسطينية فقدت عدداً من أطفالها بسبب مرض وراثي نادر، قبل أن يتمكن فريقه، بعد سنوات من البحث، من اكتشاف الطفرة الوراثية المسؤولة عن المرض، وإجراء أول تجربة ناجحة أدت إلى ولادة طفلين سليمين، ثم نجاح حالات أخرى بالطريقة نفسها.
وأشار إلى أن هذا النهج لا يقتصر على علاج المرض، بل يمنع انتقاله إلى الأجيال القادمة، معتبراً أن هذه الرؤية قد تفتح الباب أمام عالم خالٍ من كثير من الأمراض الوراثية خلال العقود المقبلة.
1300 طفل... و1300 قصة نجاح
وكشف رزيقات أن فريقه ساهم حتى الآن في ولادة أكثر من 1300 طفل سليم داخل فلسطين وخارجها، لعائلات كانت تعاني من أمراض وراثية معقدة أو فقدان متكرر للأطفال، مؤكداً أن كل حالة تمثل قصة إنسانية تستحق النضال من أجلها.
العلم مسؤولية قبل أن يكون إنجازاً
وتحدث رزيقات بصراحة عن التحديات التي واجهته، سواء العلمية أو المجتمعية، موضحاً أن أي إنجاز جديد يواجه أحياناً انتقادات حتى قبل نشر نتائجه العلمية، لكنه شدد على أن الباحث الحقيقي يتحمل مسؤولية نجاحه وأخطائه معاً.
وقال إن فريقه أخطأ مرة واحدة فقط خلال آلاف الحالات، إلا أن ذلك الخطأ تحول إلى درس علمي ساعدهم على تطوير الإجراءات ومنع تكراره.
حلم جديد... الطب الوقائي
وفي ختام اللقاء، كشف رزيقات عن مشروع يعمل على إنشائه يتمثل في مركز متكامل للطب الوقائي، يضم تخصصات الوراثة والطب النفسي وطب الأطفال والأوبئة، ويهدف إلى تحسين جودة حياة الإنسان والوقاية من الأمراض قبل حدوثها، معرباً عن أمله في أن يصبح هذا النموذج متاحاً لكل الفلسطينيين مستقبلاً.
وأكد أن فلسطين تمتلك طاقات علمية وطبية قادرة على المنافسة عالمياً، داعياً الشباب إلى الإيمان بأفكارهم والاستمرار في العمل رغم كل الصعوبات.
بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية

