مباريات اليوم

أوقات الصلاة
الفجر 04:46
الظهر 11:24
العصر 02:18
المغرب 04:38
العشاء 06:02
حالة الطقس

اسعار العملات

في غزة.. سائق الأجرة بدرجة ماجستير!

غزة – راية
سامح أبو دية –

"رضينا بالهم والهم ما رضي فينا" مثل شعبي ينطبق تماماً على الشاب طارق جهاد محمد من قطاع غزة، الذي حصل على شهادة دراسات عليا "ماجستير" قبل 3 سنوات، وضاقت به السُبل وأرهقته ظروف القطاع القاسية؛ للعمل كسائق أجرة على مركبة عمومية تعود لأحد المواطنين الغزيين.

تخًرج الشاب طارق (32 عاما) من جامعة الأزهر بغزة، ثم حصل على درجة الماجستير بامتياز في تخصص مناهج وطرق تدريس عام 2013، وعمل مدرس في نفس الجامعة لمدة عام لتفوقه، ثم انتهت فترة العمل تلك، ليواجه شبح البطالة الذي يلاحق أقرانه السابقين منذ سنوات.



وشرحا لحال وأوضاع طارق الحالية، زار مراسلنا منزله الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة العادية، "بيت صغير مهترئ تغطيه ألواح معدنية، جدرانه غير محمية، لا نوافذ به ولا أبواب، دون أرضية مناسبة، يفتقر لمطبخ وثلاجة، وحمامه المنزلي صغير ينقصه مثله ليصبح مناسباً، أطفاله يرتجفون بردا في هذه الأيام شديدة البرودة، ودون استئذان تدخل الامطار اليهم من كافة جوانب المنزل".



طارق وافق على العمل كسائق أجرة بعد 3 سنوات من البطالة، تاركاً خلفه دراسته التي كلفته سنين عمره الطويلة وأموال ليست قليلة، فلم تشفع له أو تسعفه علومه لإيجاد عمل يليق بعلمه، الى أن رفضه مجددا العمل الذي رضي به مضطراً من أجل أبنائه، وتحسين صورته أمام أصدقائه وأقاربه بعد أن استدان منهم مبالغ مالية فترة دراسته العليا وزواجه بلغت أكثر من 6 آلاف دينار أردني.

مرّت أيام قليلة خلف مقود سيارة طارق الأجرة؛ يجمع قوت أسرته بشقاء، وفي يوم عادي (السبت الماضي) انطلق للعمل صباحاً، وبعد دقائق معدودة، أوقفه شرطي مرور، وحرر له مخالفة مرورية دون نقاش بحجة أن قانون التدخين الذي فُرض بغزة قبل أيام أصبح قيد التنفيذ.



وجاءت المخالفة بعد ان أشعل أحد ركاب السيارة سيجارة، فكتب الشرطي مخالفة قيمتها 200 شيكل رغم كل محاولات اقناعه وتدخل الراكب "المُدخن" ليضع اللوم على نفسه وليس على السائق، في حين تبلغ أجرته اليومية 20 شيقل في أحسن الأيام.

حاول محمد اقناع الشرطي عبر شرح أوضاعه الاستثنائية الانسانية، يقول: "أعلمته بأنني جديد على المهنة مضطرا لها بسبب الأوضاع الانسانية الصعبة لي ولعائلتي، وأبلغته بمستواي العلمي، لتجنب المخالفة واحتواء الاشكالية، الا أن الشرطي خاطبه قائلا: (أنا مش شؤون اجتماعية عشان تشحت مني)".

الجملة العامية الأخيرة؛ كان وقعها كحد السيف على قلبه، وفي حالة انفعال "هستيرية" انطلق طارق مسرعاً الى بيته في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، أحضر شهاداته العلمية الذي أفنى عمره لينالها؛ ورفقة أبنائه الصغار وزوجته عاد لمكان الحادثة قرب مستشفى الشفاء وألصق الشهادات على صدره وأجساد أبنائه وخاطب المارين بحاله، "لم يجد وسيلة أفضل من تلك للشكوى"، في ظل حالة عدم اكتراث المسؤولين لعشرات آلاف من أمثاله.


"الأستاذ سائق الأجرة" هكذا يصف طارق نفسه حاليا، فكل آماله وطموحاته قد دُفنت في غزة "مقبرة الأحياء"، وكل محاولاته لإيجاد عمله يستثمر علمه فيه؛ خدماً للمجتمع ولعائلته، كان مصيرها الفشل، داعيا الى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

يقول: "هذا مصير من يضيع عمره وشبابه وماله في سبيل خدمة المجتمع؟ أحمل شهادات عليا ودراسات مميزة، وحاصل على شهادات دولية، وأتحدث اللغة الانجليزية والفرنسية بطلاقة، فضلا عن لغة الصم (الاشارة)، فمكاني وراء مكتب وليس وراء مقود سيارة، الا أن أحد ما أخذ مكان أستحقه انا ولا يستحقه هو بسبب المحسوبية".


شاهد الفيديو...
لا يعتقد محمد أن عمله كسائق أجرة عيباً، ورضي به واضطر كارهاً؛ بأن يرتدي ثوباً لا يليق به، في حين يعتبر العيب في وضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، وترك من يستحق يصارع الظروف وضغوط الحياة وحيداً.

ويطالب الشاب صاحب الوجه الشاحب الذي يسبق عمره الحقيقي بسنوات، بإيجاد حلول سريعة لحاله وحال الآلاف من الخريجين، في ظل معدلات البطالة المهولة وغير المسبوقة والتي تقع ضمن أعلى المعدلات عالمياً، محذرا من وقوع "انفجار بشري جماعي" في وجه المسؤولين عن الوضع الكارثي لقطاع غزة لاسيما ما يحدث للشبان والخريجين.

قضية الشاب طارق محمد ليست الأولى ولا هي جديدة في قطاع غزة، موجهاً مناشدة الى الرئيس محمود عباس ووزير التربية والتعليم والحكومة الفلسطينية، للنظر الى حاله وتوفير فرصة عمل تُخرجه من الوضع المأساوي الذي يعيشه، وانقاذه من الغرق في مستنقع البطالة الذي سقط فيه الكثيرين من أمثاله.

Loading...

ما موقفك من سلاح المقاومة في غزة على ضوء الجدل الذي خلقته المصالحة؟