هل سياسة الحياد مصلحة فلسطينية؟
الكاتب: محمد ياغي
بعد خسارة الحركة الوطنية الفلسطينية موقعها العسكري في لبنان إثر حرب العام ١٩٨٢ مع إسرائيل، اعتمدت منظمة التحرير والى حد بعيد سياسة الحياد في الموقف من خلافات الدول العربية مع بعضها البعض.
من ميزات هذه السياسة أنها ساهمت في تمتين علاقات منظمة التحرير مع غالبية الدول العربية وأيضاً في خلق حالة إجماع عربي رسمي على الموقف من القضية الفلسطينية تجلى في المبادرة العربية للسلام التي انبثقت عن مؤتمر القمة العربي في بيروت العام ٢٠٠٢، وذلك كله ساعد على حماية استقلالية القرار الوطني الفلسطيني.
صحيح أن بعض مواقف المنظمة وفي منعطفات حرجة مثل احتلال نظام صدام حسين للكويت حادت عن هذه السياسة. وصحيح أيضاً، أن المواقف المعلنة لبعض الانظمة العربية الرسمية لم تنسجم مع سياساتها الفعلية تجاه القضية الفلسطينية مثلما حدث خلال مرحلة التفاوض مع إسرائيل في الفترة الممتدة ما بين عامي 1993 و2000، وأثناء حصار الراحل عرفات في مقاطعة رام الله، لكن هذه الأنظمة نأت بنفسها عن تبني مواقف معلنة ضد مصالح الفلسطينيين قد تغضب شعوبها.
اليوم، تعتقد بعض الأنظمة العربية أن مواقف شعوبها من القضية الفلسطينية لم تعد تعنيها. حساباتها تقول أن أي حراك شعبي يمكن إخماده بالحديد والنار بذريعة الحرب على الإرهاب، وأن هذه الشعوب لا ترغب بالحراك اصلا حتى لا تتكرر مشاهد الدمار الموجودة في سورية وليبيا واليمن داخل بلدانها.
واليوم أيضاً، هنالك انقسام عربي عميق، رسمي وشعبي، بين من يعتقد أن إيران هي قوة دعم لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والجماعات الدينية المتطرفة، وبين من يرى في إيران قوة احتلال لسورية والعراق ولبنان واليمن.
هذا الانقسام الشعبي تحديداً، دفع ببعض الدول العربية، الى التنسيق علناً مع إسرائيل باعتبارها حليف في الصراع مع إيران. الأهم ربما أن بعض هذه الدول تعتقد أن مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة يتطلب محاربتها، وأن إسرائيل وفقاً لهذه الرؤية ليست فقط قوة ضاربة مهمه تحتاجها هذه الدول، ولكن أيضاً قوة مؤثرة مهمه على السياسة الأميركية ويمكنها بالتالي «جر» أميركا الى هذه الحرب.
مشكلة الدول العربية التي ترى في إيران قوة احتلال أنها، وعلى أقل تقدير، لا تساوي بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي مثلا، ولكن في اعتقادها أن بالإمكان الاستفادة من إسرائيل في صراعها مع إيران متجاهله أن الأولى تحتل أراض فلسطينية وسورية ولبنانية.
هذه الرؤية لها انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية أهمها الاعتقاد بأن التخلي عن الفلسطينيين أو تسهيل حل الصراع مع إسرائيل على حساب حقوقهم وفقاً للشروط الإسرائيلية وخارج المبادرة العربية للسلام هو ضرورة لقيام تحالف إقليمي عربي -إسرائيلي مدعوم أميركيا لمواجهة إيران وحلفائها في المنطقة.
ومن هنا، يمكن بالطبع فهم الضغوط «السرية» على القيادة الفلسطينية، وحتى على الاردن، للقبول بالشروط الإسرائيلية لتسوية الصراع ضمن ما بات يعرف بتسوية «القرن». ويمكن أيضاً فهم كيف تحولت حركة «حماس» الى منظمة إرهابية في خطاب بعض الدول العربية الرسمي. وكيف أصبح التطبيع مع أكثر حكومات إسرائيل تطرفاً يمارس علناً.
هنالك سوء تقدير بلا شك من قبل هذه الدول. أوله أن إسرائيل لا تحتاج للعلاقة مع الدول العربية لمحاربة إيران لأنها لو كانت قادرة على ذلك لما انتظرت تحسن علاقاتها مع العرب الرسميين، ونحن نشاهد كم هي إسرائيل حذره من الدخول في مواجهة عسكرية مع حلفاء إيران في المنطقة, مثل حزب الله, خشية من خسارتها للحرب أو فشلها فيها على أقل تقدير. وهنالك أيضاً تضخيم لحجم تأثير إسرائيل على أميركا عندما تتعلق المسألة بتوريط الأخيرة في حروب خارجية. أميركا تخوض حروب لها مصلحة فيها ولا تخوضها نيابة عن إسرائيل أو العرب. لكن هذا موضوع آخر.
القيادة الفلسطينية لديها معلومات بالتأكيد أكثر عن حجم العلاقة بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وهي تقاوم الضغوط «العربية» التي تمارس عليها لقبول الشروط الإسرائيلية للتسوية السياسية. لكن لحسابات لها علاقة بأن الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تعطي شرعية لأي تسوية للقضية الفلسطينية، هي منظمة التحرير، تعتقد هذه القيادة أن الحديث بشكل علني عن الضغوطات التي تمارس عليها لا فائدة سياسية منه وأنه قد تؤدي الى قطيعة مع هذه الدول ولذلك كلفه ماليه وسياسية.
لكن ماذا لو حدثت حرب في المنطقة بين إيران وحلفائها من العرب، وبين إسرائيل وحلفائها من العرب، هل ستحافظ القيادة الفلسطينية على حيادها وما هي أبعاد ذلك على القضية الفلسطينية؟
الحرب ليست احتمالا بعيدا. الكل يعلم بأن إسرائيل تتدرب وتعد لها وأنها تنتظر اللحظة المناسبة للقيام بها. هذه اللحظة قد لا تأتي وفق الشروط الإسرائيلية لكن أي خطأ في الحسابات من قبل جميع الأطراف المتورطة في الصراع حالياً في سورية على الاقل قد يشعل هذه الحرب. وإذا ما حدث ذلك، فإن الحرب قد تتوسع لتشمل محوري الصراع في المنطقة: إسرائيل وحلفائها العرب، وإيران وحلفائها العرب.
هذه الحرب ستكون مختلفة عن حرب العام 2006 بسبب عدد الاطراف المشاركة فيها وسعتها وأهدافها.
أميركا وروسيا لن تتورطا في صراع مباشر مثلما حدث طيلة الحرب الباردة في القرن الماضي، لكنهما ستدعمان القوى التي تقف معهما.
لبعض العرب، الحرب سيكون هدفها هزيمة إيران في المنطقة من خلال هزيمة حلفائها, لكن لإسرائيل، الحرب سيكون هدفها السيادة على المنطقة وإنهاء القضية الفلسطينية.
انتصار إسرائيل في معركة متعددة الساحات (لبنان، سورية، وربما غزة) مشكوك فيه، لكن إذا ما حدث ذلك، فإن له مقابل سياسي تريده من الحلفاء العرب على الصعيد الفلسطيني ويجري الآن التمهيد له برعاية إدارة الرئيس الأميركي ترامب، والقيادة الفلسطينية تعلم بأن «العرب» على استعداد لتقديمه، حتى قبل انتصار إسرائيلي.
في وضع كهذا، نتساءل، هل فعلاً الاستمرار في سياسة الحياد مفيدة للفلسطينيين، أم أن كشف المستور وإعادة التموضع عربيا وإقليميا هو السياسة الأفضل فلسطينياً.

