اليوم الكبير في الصراع !
الكاتب: حسن البطل
عديدة هي أسماء الحرب في لغة الضاد، من بينها «ملحمة» وهي اسم الحرب في اللغة العبرية. عديدة هي أسماء «النضال» في العربية، وتجمع العربية بين اسم الحرب واسم النضال بكلمة «الصراع».
الفلسطينيون لم يوفروا شكلاً من اشكال الحرب، ولا شكلاً من أشكال النضال، في هذا «الصراع» الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لك أن تحسبها 100 أو 70، أو 50 أو 25!
.. وفي السنوية السبعين للنكبة جمع الفلسطينيون بين حق «العودة» الذي ينفي «النكبة» و»يوم الأرض» الـ 42 الذي يصادف الـ 30 من آذار كل عام.
سقط في مستهل «يوم العودة» 16 شهيداً، وقرابة 1500 جريح، فكم سقط في سنوات النكبة الأولى من شهداء «تسلّلوا» عائدين وعزل إلى أرض البلاد، مجازفين بخطر الموت بالرصاص؟ مئات وربما آلاف اللاجئين ـ العائدين إلى أرض البلاد، بعدما تكشّف لهم ان المنفى سيطول أكثر من سبعة أيام، حسب وعد الجيوش العربية في حرب النكبة!
فإلى المشهد على طول «خط التحديد» في «يوم الأرض» بين قطاع غزة وبين إسرائيل، الذي لا يشبه الحرب بين الجيوش، كما نراها في الحروب القديمة على شاشة السينما: «كراديس» جيش مقابل «كراديس» جيش، بل كانت «كراديس» شعب اعزل مقابل جيش مدجّج، أي كانت صراعاً بين شعب وجيش دولة هو الخامس أو السادس بين جيوش دول العالم، القادر، عدةً وعتاداً، على حسم الحرب مع الجيوش المجاورة وردعها عن خوض حرب أخرى ضده، لكنها لم تردع شعباً عن خوض كل أشكال الحروب والنضال.. والصراع.
عشية «يوم الأرض» صدر تقرير «الإدارة المدنية» الاحتلالية الإسرائيلية عن اختلال التوازن الديمغرافي في أرض فلسطين ـ إسرائيل، وأعقبه نشر نتائج التعداد العام الفلسطيني للسكان والمساكن، قبل يوم من «يوم الأرض».
كثيرون من الفلسطينيين يجدون مثالب في هذه الأوسلو، لكن سلطة فلسطينية أجرت خلالها ثلاثة تعدادات للسكان، طعن الإسرائيليون في دقة التعداد الأول، ثم سلَّمُوا بدقة التعداد الثاني، وفي التعداد الثالث فوجئوا أن تقرير «الإدارة المدنية» الاحتلالية يكاد يتطابق مع التعداد الفلسطيني. الاحتلال أجرى تعداداً تقديرياً واحداً بعد حرب حزيران 1967.
«الفزع الديمغرافي» الإسرائيلي لخّصته «هآرتس» قبل يومين من «يوم الأرض»، وفي ضوء تقريرهم الديمغرافي بقولها: «يجب على إسرائيل اختيار هدفين من الأهداف الثلاثة المطروحة: دولة يهودية؛ دولة ديمقراطية؛ دولة «أرض إسرائيل الكاملة».
كيف لخّصت الصحيفة صراع الأرض في يوم الأرض؟ «يوجد بُعد رمزي هام جداً للأرض. الأرض تجسّد التمسك الطبيعي بالوطن. هذا التمسك، بالضبط، هو ما يريد النظام الحاكم [في إسرائيل] منعه. لكن هذا التمسُّك [الفلسطيني] لا يضعف. إن سلب حقوق المواطنين العرب على الأراضي يُنتج، فقط، المزيد من الغضب والإحباط، ويُبقي جرحاً نازفاً يقضم العلاقة بين اليهود والعرب».
ما الذي يوحّد بين ما جرى في عرابة الجليلية، وفي قطاع غزة، وفي الضفة.. وفي المنافي الفلسطينية؟ إنه رفع هذا العلم رباعي الألوان، الذي كان محظوراً رفعه قبل أوسلو.
تقول المعطيات الإسرائيلية إن نسبة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية إلى السكان الأصليين صارت 20% يهود تقابل 80% فلسطينيين، وهي النسبة ذاتها في الميزان الديمغرافي داخل إسرائيل، التي تمنع البناء الفلسطيني في 60% من الضفة، وأيضاً أقامت إسرائيل 700 مدينة وبلدة يهودية فيها، دون إقامة مدينة أو بلدة فلسطينية واحدة، وترفض حتى عودة الفلسطينيين فيها إلى أراض مصادرة غير مأهولة، أو عودة إلى قريتي إقرث وكفر برعم؟
حسب اتفاقية أوسلو كان هناك بند لحق عودة النازحين الفلسطينيين بعد حرب النكسة العربية، لكن إسرائيل تجاهلته إلى «ولا لاجئ يعود» بعد عودة كوادر المنظمة، وآلاف محدودة نالوا «لمّ شمل» و»رقماً وطنياً» في حكم حكومة أولمرت، قبل أن تغلق حكومة ليكود نتنياهو هذا الباب نهائياً.
الآن، بعد تقرير «الإدارة المدنية» والتعداد الثالث الفلسطيني، يدعو الوزير جدعون ساعر، المرشح لخلافة محتملة لنتنياهو إلى إغلاق باب عودة اللاجئين إلى أراضي السلطة لأنه سيخلّ بالتوازن الديمغرافي المختل، ولأن السيطرة الأمنية على الغور لا تكفي لصدّ السيطرة الديمغرافية، ولأن إقامة دولة فلسطينية تكون «وطناً قومياً» للشعب الفلسطيني تعني فقدان الأغلبية اليهودية في البلاد!
أطرف الأفكار الجديدة، بعد السيطرة العسكرية على السماء والأرض طرحها جنرال إسرائيلي سابق هو يوآف غالنت، وفحواها «تهويد خط الأفق» لأن خط الأفق للبلاد يمنحها طابعاً إسلامياً ـ مسيحيا، لكثرة قباب ومآذن المساجد والكنائس، ومن ثمّ يقترح زرع «خط الأفق» بنصب عشرات ومئات من أشكال «نجمة داود»!
كان «يوم الأرض» في يومه الـ42 جامعاً بين «الأرض والعودة»، وكان في غزة بين «كراديس» شعب أعزل وجيش مدجّج. لن يؤمّن العالم حماية للشعب من الجيش، لكن سقط فيه أكثر من 16 شهيداً، والذي سقط هو ادعاءات «الإرهاب الشعبي» والسياسي والدبلوماسي.. هذه مقاومة شعبية سلمية.
كان نقطة انعطاف في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. كان أخطر من «يوم كيبور» 1973 وحرب الجيوش ضد الجيش، فهو حرب الشعب ضد جيش الاحتلال.
الشعب الفلسطيني قام.. حقاً قام، مثل عنقاء الرماد من دمار النكبة. لإسرائيل جوابها على كل تحدٍّ عسكري، لكن لا جواب لها على قيامة شعب فلسطين.

