سلة غذائية
الكاتب: سما حسن
في أحد محال السوبرماركت الضخمة في غزة كنت أقف لشراء بعض حاجيات البيت التي لا تتلف خارج الثلاجة، وذلك على سبيل الاحتراز كما أفعل دائماً، فرأيت جمهرة وازدحاماً اعتدتهما خلال شهر رمضان لزبائن غير مألوفين يتجولون داخل أقسام السوبرماركت، وكان كل واحد يدفع أمامه سلة كبيرة مليئة بالمشتريات، وحين كنت أتأمل كان صاحب السوبرماركت ينبه على العاملين لديه بألا يسمحوا لهؤلاء الزبائن تجاوز قائمة المشتريات التي قام بتعليقها في الواجهة والتي لا تشمل أصناف الشوكولاتة والمكسرات، وهنا التفت إليه أحدهم ليسأله ان كان يستطيع ان يحمل في سلته كيساً من حفاضات الأطفال، فأجابه وهو يرفع صوته ليسمعه الجميع بأنه يستطيع ان يحصل على كيس واحد لا أكثر.
تبين لي ان هؤلاء قد حصلوا على قسائم شرائية بمناسبة شهر رمضان من جهة خيرية، وانهم قد قدموا لصرفها وهي محددة بمبلغ معين لكل قسيمة يجب عدم تجاوزها بتاتاً، وهذا الشرط يضع صاحب القسيمة في موقف لا يخلو من حرج حين يقف أمام " الكاشير" ويبدأ في الحساب وقلبه يدق خوفاً من أن يكون حساب مشترياته أكثر من قيمة القسيمة، وفي هذه الحالة يقوم صاحب السوبر ماركت بانتقاء بعضها ويرفعها من سلته بصورة لا تخلو أيضاً من قسوة.
كررت وكتبت مراراً أنني لست مع توزيع السلات الغذائية في رمضان، وأن هذا التصرف لا يحمل المعونة بقدر ما يحمل الاهانة للفقير، وكم من الفقراء المتعففين الذين يمر عليهم العام ونحن لا نعلم بحالهم، حتى يأتي اليوم الذي نراهم داخل محل سوبرماركت، او يصطدمون بقريب أو بعيد، وهناك من لا يحفظ السر ويشيع ويؤذي الفقير المتعفف، هذا في حال وصلت القسائم الشرائية لمن يستحقها من الفقراء وليس المدعين.
لست مع توزيع السلات الغذائية بأي طريقة، لا عن طريق توزيعها حتى تصل إلى أبواب البيوت، ولا عن طريق ذهاب مستحقها ببطاقة هويته على السوبرماركت أو المول لكي يشتري بقيمتها، وإن كان من يقوم بتوزيع السلات الغذائية يهدف إلى توفير مستلزمات الطعام في رمضان، ولكن هناك احتياجات أخرى يحتاجها الفقير ولا يمكن أن تقتصر على الطعام مثل ثمن الدواء أو أجرة البيت المتأخرة أو حتى أجرة كشف الطبيب.
وهناك من يتعلل بأن بعض أرباب الأسر يكونون من المدخنين ولذلك لا يفضل أهل الخير تسليم الأموال إليهم نقدا، لكي لا ينفقوا الأموال على شراء السجائر وحرمان الأولاد والزوجة من المتطلبات الأساسية للحياة، ولكن يحدث كثيرا أن تحصل عائلة على سلة غذائية ولا يصل بها رب الأسرة إلى باب البيت بل يقوم ببيعها في محل البقالة القريب، وبثمن بخس لكي يوفر ثمن السجائر، أو ان لم يكن مدخناً فهو يفعل ذلك لكي يوفر اجرة ذهاب ابنه إلى الجامعة.
هذه الصور التي نراها لتوزيع القسائم الغذائية في شهر رمضان مؤذية وغير محببة سواء في غزة أو في أي مكان في العالم، مثلها مثل انشاء التكيات التي تقوم بطهي الطعام في قدور ضخمة وتوزيعها على الفقراء والتقاط الصور المهينة والمسيئة لهم، وهم الذين سوف يزاحمون الأغنياء ويدخلون قبلهم من أبواب الجنة.
الصدقة مهما كانت يجب ألا تعلم بها اليد اليسرى حين تقدمها اليد اليمنى، ولكننا نفضح ولا نستر، ونسيء ولا نحسن، ولا نعلم حاجة أي شخص محتاج، ونتركه ليجرح أمام المعروضات التي يسيل لها اللعاب، والتي يجد نفسه محروما منها طيلة العام، ولا يدخل مثل هذه الأماكن إلا مرة في العام.
ان الحسرة التي نتركها في قلوب الفقراء بالغة، والصور التي تلتقط جارحة، ويمكن أن يتم الإحسان في ظلمة الليل وكما نبهنا الرسول الكريم بألا ننظر لو مجرد النظر في وجه الفقير ونحن ندس المال في يده، وكما كانت تفعل السيدة عائشة حين تعطر النقود وتمسحها، ولكننا لا نفعل ولا نترك للفقير حرية تحديد ما يحتاج، بل نترك في قلبه حسرة اكبر من إحساسه بالحاجة إلى سلة غذائية

