رأيت.. ورأيت
الكاتب: زياد خدّاش
رأيت العجوز الذي كان يؤكد للناس بإلحاح أنه شرطي مرور في شوارع رام الله، في سنوات الانتفاضة الثانية، لم تكن السيارات تصدق يديه وصافرته ولا المارة، ولا حتى إشارات المرور.
رأيت العجوز الذي كان يقاطع كلمات قادة الفصائل في المظاهرات والجنازات والاعتصامات بصياح مفاجئ غير مفهوم. فينزعج القادة ويضحك الناس في لحظات حزن وغضب من الصعب الضحك فيها.
رأيت العجوز الذي كان يشد بشجاعة غريبة جنود الاحتلال من بنادقهم، فيجد نفسه على الأرض بجانبه حطة وعقال وصرخة وفردة حذاء وجريدة قديمة وجاكيت قديم.
رأيت العجوز اليوم متعبا بنفس الحطة والعقال يكاد يقع على الأرض، يجر جريدة قديمة وصافرة مكسورة ينفخ فيها بما تبقى من هواء في فمه، ولا صوت.. لا صوت.
راقبته يقف مرة قرب عربة قهوة، ومرة داخل تجمع شبابي للتوعية من سرطان الثدي، ومرة أمام سيارة شرطة. كان يبتسم للجميع ويواصل النفخ في صافرته دون جدوى. لم يكن يسمع بوجوده على وجه الأرض أحد.

