المساحة للقيادة
الكاتب: أحمد سهيل
مع ان الكثير منا ينام ويصحو مع عشرات الأفكار التي يود أن يبدي آراءه حولها، كي نصلح حالنا أو حال غيرنا، أو نحقق الحرية والسلام والعدالة والمحبة لشعبنا أو حتى أحيانا لكل من على سطح هذا الكوكب، الا انني رأيت أن الكثير من الكتابات قد تناولت غالبية هذه الأفكار بصورة أو بأخرى، ولم تعد هنالك حاجة لمخاطبة تلك المواضيع. ولكن أرى أن من الواجب توضيح بعض القضايا اذا ما امكن تسليط الضوء على زوايا جديدة لها لم نكن لنراها من قبل أو من باب التذكير في بعض ما تعلمناه ونسيناه مع تغير الحال والزمان.
لقد أحزنني شيوع استخدام مصطلح ابتكره مؤخرا بعض هواة التسلق من الذين لا يجيدونه، وزاد من حزني تكراره واستخدامه من قبل العديد من المخلصين الابرياء الذين اساؤوا ربط بعض المفاهيم بمعانيها الحقيقية، والتي أهدف الى ايضاحها فيما يلي.
انه موضوع توفير "المساحة للقيادة" الشابة. وقد برز ذلك جليا في العديد من المناسبات خلال العام المنصرم، وها انا اراه يتكرر على فوهة قرار حل المجلس التشريعي قبل أن صدر. وهنا وقفت أتساءل: هل القيادة بحاجة لمن يمنحها المساحة؟ وما هي المساحة المطلوبة لكي نصبح قادة؟ ام اننا نقصد اننا بحاجة لوسيلة نقل جاهزة إلى احدى القمم؟ هل سمعنا عن قائد تاريخي منح المساحة ليصبح عظيما؟ هل سأل أحد منا نفسه عن المساحة التي أتيحت لمانديلا ليصبح قائدا؟ اولم تكن مساحته التي قاد منها شعبه لا تتعدى زنزانته... ولم نبتعد كثيرا عن مصدر فخرنا في القرنين الماضيين؟ عن قائد شعبنا... عن شهيد كلمته... الذي احتل مساحات شاسعة ليس فقط في قلوب وارواح شعبه وانما امتدت محبته لقلوب الملايين من شعوب العالم كافة.
لشديد الأسف، إن الخلط بين مفاهيم القيادة والمنصب أو القيادة والمكانة هو الذي يوصل بعض الأبرياء منا إلى الاعتقاد بأنه قائد محجوبة عنه الفرصة! ولولا حجب المساحة أمامه لأصبح قائدا مغوارا عظيما... المعذرة أن كنت لاذعا في تعبيراتي أحيانا، ولكن اولسنا ندرك اننا بهذا الفهم الخاطئ نسيء لمعنى القيادة ونقزمه لمنصب أو مكانه أو زعامة أو كرسي؟ القيادة مقدرة وليست صفة تمنح أو موهبة بحاجة لمساحة حتى يتم التعبير عنها. ما يمنح هو المنصب والمكانة وذلك حتما لن يخلق قادة... بل أصحاب مناصب عالة على شعبهم.
فلينظر كل منا لنفسه ومن حوله! لسنا بحاجة لمن يشغلون المناصب حتى لو كان فلان منا أفضل من فلان منهم في شغل هذا المنصب أو ذاك. سنجد ألاف مؤلفة لشغل هذه المناصب...! صدقوني...! اعدكم ان تخليتم عن المناصب لن تبقى شاغرة... لا داعي للقلق على هذه الجبهة! فهنالك الكثير من الاحتياط البشري ممن يصطفون ينتظرون في طابور المناصب، متذمرين عل وعسى أن يحالفهم الحظ فيموت الجيل السابق قبل أن يبلغوا ال 70 من العمر.
ان القائد الحقيقي هو من يستطيع خلق المساحة بنفسه. أننا في أمس الحاجة لرواد. لقادة يستطيعون خلق المساحة لأفكارهم في مشاعر وقلوب وعقول الشعب...نعم ان مساحة القائد هي في قلوب وعقول وثقة شعبه وليس مساحة على كرسي خلف مكتب.
ان المرحلة حاسمة والفرق شاسع بين الحالة الفلسطينية في السنوات العشرين الأولى من اتفاقيات السلام، والتي وجهت جل جهودها لبناء المؤسسات، وبين الحالة الحالية التي تطلب برنامج تحرر وخلق مساحة لأمل جديد في الأفق مع انسداد الأفق السابق. أن شعبنا الفلسطيني بحاجة الى من يقوده الى التحرر وليس الى من يقوده الى وعود بتحسين أوضاع. وهنا أعتذر إذا ما خيبت امال أناس أحبهم ممن هرولوا للمزاحمة على المساحة التي بدأت تتوفر بقرار حل المجلس التشريعي... وأظن ان حق شعبنا علينا ان نملأ له هذه المساحة المتوفرة ببرامج عمل نحو التحرر، وليس بمن يرى القيادة حق أو امتياز مكتسب لما قدم للقضية والشعب.
أعتقد ان الفرصة الوحيدة امامنا تتوقف على قرارنا بان ندرك الفرق في الحالة ونبدأ بحوار وطني صريح ومفتوح على كل المستويات لخلق افق وأمل جديد.

