نعم إنهم يصفقون لأنفسهم
الكاتب: صلاح هنية
مجموعة من الزملاء والزميلات من أيام الدراسة الثانوية وأيام نشاطات مكتبة بلدية البيرة والعمل التطوعي على مستوى الوطن يستعيدون تلك الأيام، أيام الزمن الجميل، أيام ما كانت البلد هي كل شيء في حياتنا، متسلحين بتلك الأيام ليعززوا القناعة أن البلد لم تتغير ولم تتبدل بل نحن الذين أجحفنا بحق انفسنا، لعلها تشكل عبرة نستخلصها لواقعنا اليوم على قاعدة أن هناك تراثا يسعفنا.
إلا أنني اشفق عليهم واشفق على نفسي من كم الردود السلبية على ما يكتبون ولعل الأصعب أن يكون ذوو التعليقات السلبية والدفع باتجاه فقدان الأمل هم من لهم ذكريات بتلك المرحلة بجزء من تفاصيلها وتفاصيل أخرى تخصهم، ولكنني اكون سعيدا أنهم لا يستسلمون وأنا معهم لأننا معا لدينا ما نقوله ونعززه.
واضح، اننا نعيش في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية ولا نختلف على التشخيص، نعم، لم تعد منظمة التحرير الفلسطينية هي نفسها قبل عشرين عاما، ولم يعد اليسار الفلسطيني هو نفسه بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، ولم يظل المجتمع المدني كما هو قبل العام 2000، ولم تبق الاتحادات الشعبية هي نفسها قبل تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية التي كان لها بريق آخر، لا زلنا نناقش حول المقاومة الشعبية وكأن هناك مقاومة شعبية أصحابها جذريون وبالتالي البقية ليست نسخة أصلية وهذا واحد من أنواع المناكفة غير المحمودة، فمقاطعة المنتجات الإسرائيلية لن تنجح اذا لم يكن رموز بعينها على رأسها، وبالتالي يجب ان نعزل الآخر ونقول نحن أصحابها وغيرنا غير مؤهل.
السؤال المهم ما العمل؟ وماذا نحن فاعلون؟
لن أكرر هنا ما يقوله الكل الفلسطيني بيمينه ويساره ووسطه وتكنوقراطه وبدعة مراكز الأبحاث والتفكير والدارسين للشؤون الإسرائيلية، ولن ابدع واخترع وأجيب على اعتبار انني العبقري الوحيد في هذا الوطن.
محزن أن يكون الجواب من أشخاص كانوا مسؤولين: الحكومة القادمة ليست مسعفة وأحسن «بطريقة مبطنة» من لم يلتحق بها، أو أن يبدع احدهم بالقول ان حكومة التكنوقراط هي المسعف الوحيد وسيتوافق عليها الجميع، أو من عيار تلميحي أن إبقاء الوضع الحكومي على حاله اليوم افضل من غيره.
اذا، انحصر النقاش حول الحكومة دون غيرها وكأن المستقبل لا تصنعه إلا الحكومة وتشكيلتها، ونقر ونعترف أن الشأن الفلسطيني فقط هو إدارة شؤون حياة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونقر ونعترف أننا نهتم بتحسين الأوضاع المعيشية واستمرار دفع الرواتب بانتظام وأن تكف البنوك يدها عن الرواتب بنصفها وكلها، نريد كهرباء ومياه واتصالات ومواصلات وبنية تحتية عظيمة وصحة وتعليم، ونريد ممرا آمنا الى القدس أو على الأقل الى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
نعم، نقاشنا فقط يدور حول الحكومة وماذا ستفعل لتلك المحافظة وتلك القرية وأن كانت مكوناتها لا تشمل كل المحافظات فإن ظلما حتميا سيقع بحق من لا يوجد لهم تمثيل.
نبحث عن حكومة تضع ثقتها بالمنتجات الفلسطينية ... لتكون أكثر تركيزا على الصناعة ... نبحث عن حكومة تكون إدارتها المالية عبقرية ... باختصار حكومة ما تطلبها القطاعات وأن تكون متوازنة بين تشجيع الاستثمار وحماية حقوق الناس.
اذا، نحن نجمل إجابتنا عن السؤال الملح والمركزي بمواصفات الحكومة فقط ونلمحها بالتحضير للانتخابات الشاملة وإلا فإنها لا تشبهنا ولن نكون ضمنها، واضح، اننا نلمح اننا مع حكومة تكنوقراط حتى لو لم تجر انتخابات ولم تنه الانقسام ولم تضع أولوياتها بالقدس.
وإلا ما بالنا نغض الطرف عمن يكتب عن مخيمات اللجوء في لبنان وسورية، ولا نقيم وزنا لمن يناقش بخصوص الجاليات الفلسطينية في أرجاء العالم الذين كنا نقول عنهم انهم رصيد استراتيجي، لم يعد رصد الكفاءات الفلسطينية والخبرات في أرجاء العالم ترفا فكريا ونحن فقط الكفاءات والمفكرين.
دعونا نكن صادقين وواضحين وفاهمين على ان بعض محور حياتنا هي الحكومة ولو أن رئيس الوزراء المكلف اعلن «اننا سنحضر لانتخابات شاملة وسننهي الانقسام» لركضنا صوبه وانتهت المسألة ودخلنا منذ أسبوعين في المئة يوم الأولى من عمر الحكومة، وبالتالي ننتظر جلسة قادمة للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية لنتذكر اللاجئين والجاليات الفلسطينية في أرجاء العالم.
واضح، اننا بدأنا من حيث لا ندري نتفاعل مع رسائل الإدارة المدنية الاحتلالية التي تركز على تحسين مستوى المعيشة وتسهيل التجارة مع الاحتلال وشركاته، ما بالنا نقبل بمعاييرهم للحواجز الاحتلالية التي يطلقون عليها معابر تجارية، وبات البورد الطبي الإسرائيلي حلما، والتخصص الطبي في المستشفيات الإسرائيلية إنجازا.
هناك أمل اذا انحزنا بإخلاص للفئات المهمشة والضعيفة ولم تغرنا الأشياء، ولن يكون العمل التطوعي ولا المجتمع المدني شأنا حكوميا، والعمل النقابي بالإمكان إعادة الاعتبار له وتوحيد جهوده، قد نعمل ضد عدادات المياه مسبقة الدفع ولكن هذا أمر يجب أن ينجز، وضد الغلاء وشبهة الاحتكار.
نعم، لن نعيد الحياة الى الوراء لنستمتع بتوزيع صحف الفجر والشعب عندما منعت من التوزيع في الضفة الغربية وغزة، وصحيفة الطليعة التي ظلت ممنوعة، ونقرأ الكتب ونلخصها ونناقشها، ونذهب معا الى العمل التطوعي كل أسبوع، ونحث مؤذن هذا المسجد أو ذاك ان يذيع القرآن الكريم للإعلان عن استشهاد شهيد، ونذهب معا للمشاركة في مخيم العمل التطوعي في الناصرة.
ولكن بالإمكان أن تتسع دائرة التأثير ضمن معايير اليوم بحيث لا نصحح لبعضنا البعض بالقلم الأحمر وكأن كلا منا يمتلك الحقيقة المطلقة، وألا نصفق لما أصاب منظمة التحرير الفلسطينية، وأن نظل نعيد ونكرر: لقد قلتم «الحياة مفاوضات»، ونعيد ونزيد لولا بروتوكول باريس لصرنا سنغافورة، ونعيد ونزيد لو أن فلسطين دون شركات اتصالات وبلا مزودي إنترنت لكانت الحياة أكثر عدالة، وألا ننعت بعضنا البعض بعبارات لا تليق بمطلقها فقط من باب تقليل أهمية الآخر، كل منا يسند الآخر ولا يستغني أي كان عن الآخر مهما كان فكره ولونه وميوله وتصوراته.

