الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:22 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:26 PM
العشاء 8:50 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الحرب في أوكرانيا... والأسعار والأمن الغذائي في بلادنا

الكاتب: عقل أبو قرع

لم يتوقع الكثير من المختصين ومن غير المختصين، أن تصيب شظايا الحرب المستعرة بين أوكرانيا وروسيا عصب الأمن الغذائي للعديد من الدول، وبالأخص دول عربية أو دول في الشرق الأوسط، ولم يعرف الكثيرون من قبل بأن روسيا وأوكرانيا تصدران معا حوالى 30% من سلعة القمح الى العالم سنوياً، أي اكثر من 200 مليون طن، وأن معظم الدول العربية تستورد غالبية استهلاكها من الخبز الذي يأتي من الطحين وقبل ذلك من القمح من هاتين الدولتين، وأن دولة مثل مصر أو الجزائر تستورد حوالي 13 مليون طن من القمح سنوياً، وأن فلسطين تستورد حوالي 90% من استهلاكها من القمح من الخارج.

ومع تضارب الأنباء عندنا حول مقدار هذه الحصة من روسيا أو أوكرانيا والتي تشير بعض الأرقام الى ان غالبية الاستيراد يأتي من هاتين الدولتين، وأننا في فلسطين نستهلك سنوياً حوالي 450 الف طن من القمح، وننتج فقط منها حوالي 30 الف طن، أي أقل من 10% من مجمل الاستهلاك، وبالتالي نستورد اكثر من 90% من استهلاكنا من القمح من الخارج.

 وما يؤكد شدة الاعتماد في بلادنا على سلعة حيوية مثل القمح على الاستيراد من روسيا وأوكرانيا هو الارتفاع الحاد في أسعار الطحين وغيره من المنتجات التي تعتمد على القمح، والتي وصلت الى حوالي الـ 40% مقارنة بالأسعار قبل الحرب، أي فقط قبل حوالى اسبوعين، وهذا يفتح الباب واسعاً للنقاش والجدل حول مفهومي الأمن الغذائي والاعتماد على الذات والتحكم في الأسعار وحماية المستهلك الذي في المحصلة هو الذي سوف يدفع ثمن الارتفاعات الحادة في أسعار حيوية لا يستطيع الاستغناء عنها ولو لعدة أيام.

وحسب المنظمات الدولية، وبالأخص منظمة الأغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة «الفاو»، فإن تعريف الأمن الغذائي للناس، هو الحصول على ما يكفيهم من الأغذية الجيدة، وذلك للتمتع بحياة ملؤها النشاط والصحة، وتضيف «الفاو» «ان الأمن الغذائي يتحقق عندما يتمتع البشر كافة في جميع الأوقات بفرص الحصول من الناحيتين المادية والاقتصادية على أغذية كافية وسليمة ومغذية تلبي احتياجاتهم التغذوية وتناسب أذواقهم الغذائية»، ومن الواضح أن الملايين من البشر سوف يفتقدون ذلك، سواء بسبب أزمة الحرب في اوكرانيا، من خلال عدم القدرة على الاستيراد من روسيا واوكرانيا، أو تعويض الاستيراد من دول أخرى أو الإنتاج.

وعلى مستوى البلد او الدولة، «فإن الامن الغذائي يتحقق حين تنتج البلد كل احتياجاتها من الغذاء الأساسي أو تكون في استطاعتها الحصول عليه من الخارج تحت أي من ظروف ارتفاع أسعار الغذاء العالمية أو اغلاق الحدود أو ما يحدث الآن من حروب». ومن هذا  المنطلق كذلك، فإن هذا يعني اننا في فلسطين، لا ننتج كل احتياجاتنا من الغذاء، وبالادق الاغذية الاساسية، اي القمح او الخبز واللحوم والدواجن والخضروات وما الى ذلك من غذاء اساسي لا يستغني عنه الانسان، او اننا لم نستطع توفير احتياجات الغذاء الاساسية من الخارج بقوانا الذاتية، اي بدون انتظار المساعدات او المنح او التبرعات من هنا وهناك.

وربما جاءت الأزمة الحالية لكي تدق ناقوس الخطر القادم من أزمه مشابهة أو من أزمات أخرى، قد تؤدي الى نقص الغذاء والفقر والمجاعة والوفيات بالملايين، وقبل الأزمة الحالية، كان العالم يتحدث بل ويشاهد تداعيات التغير المناخي والاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض وقلة الأمطار وبالتالي التصحر، اي عدم القدرة على زراعة التربة بمحاصيل اعتاد الناس زراعتها، سواء بسبب قلة الأمطار والمياه أو زيادة ملوحة التربة، أو الفيضانات نتيجة ذوبان الجليد وارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات وغير ذلك.

وحسب بيانات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني وبالتعاون مع بعض منظمات الأمم المتحدة ومن ضمنها منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، اظهر مسح لعام 2013، الافتقار الى الأمن الغذائي في فلسطين، اي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد اشارت النتائج الى ان حوالي 33% من الاسر الفلسطينية تفتقر الى الأمن الغذائي، اي لا تستطيع تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية التي تحتاجها الأسرة، حسب المعايير الدولية، وان هذه النسبة في ازدياد.

وهذا يعني ان حوالى ثلث الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لم يتمكنوا من الحصول على اغذية كافية وسليمة في جميع الأوقات، وذلك بسبب الظروف المالية والأحوال الاقتصادية، والنسبة في قطاع غزة أعلى بكثير مما هي في الضفة الغربية،  وبما ان النسبة كانت في ازدياد، فمن المتوقع ان تزداد هذا العام كذلك وبشكل حاد، رغم الحملات لدعم الزراعة وتوفير الغذاء، ورغم مئات الملايين من الدولارات، التي تدفقت من اموال الدول المانحة وغيرها من المنظمات والمؤسسات الدولية والعربية، وفي معظم الوقت، تحت شعار تحقيق التنمية المستدامة، ومن ضمنها مشاريع استدامة انتاج وتوفر الغذاء وبالتالي استدامة الحصول عليه.

ولكي يتحقق الأمن الغذائي في بلادنا، يجب ان ننتج غذاءنا بإمكانياتنا وباستخدام مصادرنا المتوفرة، من ارض ومياه وبشر، اي نزرع وننتج، ومن أدوات وأجهزة ومصانع، اي نصنع المنتج الغذائي النهائي، والاهم من سياسات وخطط ومشاريع وعقول وكوادر مدربة، تخطط وتتابع الإنتاج، والأهم ان نعمل على إرساء ثقافة الاستدامة في الانتاج، وان لم نستطع ان ننتج غذاءنا الأساسي، فإننا من المفترض ان نكون قادرين على توفيره من الخارج، وبمصادرنا الذاتية، وبدون انتظار المساعدات والتي في العادة ترتبط بشروط وقيود، وهذا يتطلب وكما تفعل الدول، وجود احتياطي من العملة الاجنبية لشراء وبالتالي لتوفير الغذاء، وبالاسعار العالمية وبالجودة والسلامة اللازمتين، وفي كل الاوقات.

ومع بدء الشعور بتداعيات الحرب في اوكرنيا على الاسعار وعلى المستهلك وعلى الامن الغذائي عندنا، وبالاخص على رغيف الخبز الذي نستهلكه يومياً، ولكي نضع الخطط لجسر او لتخفيف فجوة الأمن الغذائي للفلسطينيين، يجب ان نركز على إنتاج غذائنا باستخدام مصادرنا بالدرجة الاولى، آخذين بعين الاعتبار ليس فقط التداعيات طويلة المدى لهذه الحرب، ولكن احتمالات التغيرات البيئية والمناخية، والتقلبات السياسية المتسارعة عندنا ومن حولنا، وان لم نستطع انتاج غذائنا الأساسي، فإننا من المفترض ان نكون قادرين على الحصول عليه، آخذين التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عندنا ومن حولنا في المنطقة، وفي العالم بعين الاعتبار.

وهذا يدعونا الى التفكير في إستراتيجيات جديدة مستدامة للحفاظ على توفر الغذاء لنا وللأجيال القادمة، سواء أكان ذلك من خلال تنويع مصادر الاستيراد، أو من خلال الحد من العبث في النظام البيئي، أو من خلال التركيز على تخزين محاصيل صالحه للاستهلاك لفترة  طويلة، أو من خلال التركيز على تحقيق نوع من الاكتفاء يلائم التربة والمياه والطقس والاحتياجات في كل بلد، أو من خلال بناء نظام متكامل لمكافحة الآفات التي تفتك بأكثر من 50% من المحصول تحت بعض الظروف في بعض الاماكن في العالم.

وفي ظل هذه الازمة بين روسيا واكرانيا، التي لا يبدو لها نهاية في الافق، وبدء ارتفاع الاسعار وبالاخص أسعار المواد الغذائية، فإن هذا الوضع يستدعي تدخل الجهات الرسمية وبالأخص وزارة الاقتصاد الوطني التي تتعامل مع هذا الامر، عليها التدخل وبشكل طارئ وعملي ويومي من أجل كبح الأسعار وإعادتها بشكل عقلاني موضوعي لتناسب سعر السوق أو التكلفة، وفي نفس الوقت محاسبة وبشدة وبشكل علني من يتلاعب في حياة الناس، من التجار الجشعين، وبالتحديد التجار الكبار أو تجار الجملة الذين يستوردون ويحتكرون السلع.   

وفي خضم هذا الوضع المقلق وبل المحزن للكثير، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي نحيا فيها، وفي ظل التخبط بأنواعه من السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وان تواصل هذا الارتفاع الجنوني للاسعار، وبدون تدخل فاعل وحازم من الجهات ذات العلاقة، بدعوى الحفاظ على مبادئ اقتصاد السوق، فإن هذا الوضع يتجه نحو تعميق وربما نحو الانفجار المجتمعي، الذي سوف يكون من الصعب توقع تداعياته وامتداداته، كما لم نتوقع وغيرنا تداعيات الحرب الحالية علينا وعلى الأمن الغذائي للكثير من الدول.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...