الحِجّة إلى بيت المقدس
الكاتب: حسن البطل
اختلفت التقديرات وتفاوتت حول عديد جُموع المصلّين في الحرم القدسي، أيّام الجُمَع الأربع من رمضان الغارب. لكن، اتّفقت على أن الجُموع تعاظم حضورها بوتيرةٍ متصاعدة من الجُمعة الأولى، وحتى الأخيرة واليتيمة.
وبينما تراوحت تقديرات الجُموع في الجُمعة اليتيمة بين 300 - 500 ألف. لكن، حتى الإعلام الإسرائيلي أقرّ بأنّ العدد في ذلك اليوم فاق أيّ يومٍ في أيّ صلاة جمعة سابقة.
واعتنى الصحافي روني شكيد بتحليل الدلالات السياسية. وهذه لا تخفى على أحد. قال: «ثمة مغزى سياسي للسيطرة الفلسطينية على المسجد الأقصى». هذا المغزى كنت قد نظرتُ إليه باعتباره «فريضة سياسية» ترقى إلى كونها «فريضة وطنية».
وللمرء أن يترقّب جمعة يتيمة في رمضان مُقبل سترفع رقم المصلّين إلى نصف مليون، بعد أن يتيح «الممرّ الآمن» لأهالي القطاع وصولاً يسيراً إلى الحرم القدسي، كما هو حال أهالي الضفة، وأهالي الداخل.
تُذكّرني المسألة هذه بالشيخ الجليل سعد الدين العلمي (رحمه الله) الذي اتخذ له شعاراً يقول: «أهل فلسطين هم حُماة الأقصى. إنّ مقدسات القدس بلا البشر من أهلها حجر، كما آلت مساجد الأندلس الغابرة».
وبالمناسبة، فإنّ الإجماع الفلسطيني حول القدس لا يقلّ قوّة عن الإجماع اليهودي في تعبيره الديني، وقد يفوقه في تعبيره السياسي. يهمّنا، الآن، التعبير السياسي الذي أخذ يهتزّ في الجانب الآخر، ويزداد قوّة في جانبنا.
أذكر عندما كنّا في قبرص، دار تجاذب لأطراف الحديث مع سائق من أهل البلد اليونانيين، وهذا رأى أن المسألة الفلسطينية كأداء على الحل أكثر من القبرصية. وبالذات، بسبب مسألة القدس. وشاء زميلي مُداعبته، أو بالأحرى جسّ نبضه واختبار تعلّق الأرثوذكس اليونان بالقدس. قال له زاعماً: لا أرى أن القدس على هذه الأهمية (وغمزني زميلي)، وما لبث السائق أن عقّب من فوره: إمّا أنك لست فلسطينياً كما قلت، وإمّا أنك غير صادق معي فيما تقول.
ليس قليلاً أن يؤمّ الحرم القدسي 300 ألف مؤمن عابد (تقديرات إسرائيلية)، فهذا يعني أن واحداً من كل عشرة فلسطينيين كان هناك، من دون احتساب الأولاد تحت العاشرة، وهؤلاء يشكّلون شريحة ذات قاعدة معتبرة في الهرم العمري الفلسطيني، ودون احتساب مليون فلسطيني غزّي. فمن الصعب أن يتجمع عُشْر عديد شعب في مكان واحد ولمناسبة واحدة.
يقودنا هذا إلى تعليلٍ ورد على لسان مئير شطريت، زعيم الكتلة البرلمانية الليكودية، ومفاده: على إسرائيل أن تمسك بورقة القدس من أجل سلام لها محتمل وأبعد نطاقاً مع العالمَين العربي والإسلامي، وأمّا مع الفلسطينيين فتكفي ورقة الانسحاب والدولة الفلسطينية!
والحال هذه، فلربما على دوائر الإفتاء في العالمين العربي والإسلامي أن تصدر فتويَين، إحداهما مُعجّلة، والأخرى مُؤجّلة. المُعجّلة هي: ربط شبكات البثّ المرئي بالشبكة الفلسطينية أيّام الجُمَع من رمضان. والمؤجّلة هي: إنّ حِجّة إلى القدس تستكمل الحِجّة إلى بيت الله الحرام، لمن استطاع إلى ذلك.
علبة سكاكر العيد
في حوالى السابعة من عمري، أوائل الخمسينيات، اصطحبني والدي (رحمه الله) إلى «باب شرقي» في دمشق، واشترى علبة سكاكر العيد من خشب الجوز، المنزلة المطعمة - المزخرفة.
لا تزال العلبة معي، وهي الوحيدة من مقتنيات الطفولة. ولا تزال متماسكة، وأفضل حالاً من «طاولة زهر» دمشقية اشتريتها قبل عشرة أعوام.
علبة سكاكر دمشقية أصلية تُنعش ذاكرة أيّام العيد. شيء مادي صغير عظيم القيمة المعنوية، يُجسّد الوعد: عيدنا عودتنا. صحيح، هي عودة منقوصة، لكنها مع هذه العلبة تغدو زاداً من الذاكرة والأمل. فهل كانت السكاكر ألذّ وأشهى «أيّام زمان» أم أن العمر جعل فنجان القهوة أشهى من حبّة سُكّر.

