معاً لرفد اقتصاد أجدادنا
الكاتب: سعيد صبري
لنا أن نفخر بصناعنتنا وصناعة أجدادنا، لنا أن نُحيي الصانع والمُصنع، بكافة القطاعات وعلى وجه الخصوص قطاع صناعة الألبان في فلسطين، الذي شق طريقه وسط مجموعة من التحديات والصعاب، الى أن استمر بكل عزيمة وعطاء، فتركزت جل الاستثمارات فيه على تطوير المنتجات وطرق التصنيع باعتماد التكنولوجيا الحديثة، ومراعاة الجودة حسب المواصفات والتعليمات الفنية الإلزامية الفلسطينية والعالمية، فساهم في نهوض قطاع الصناعات الغذائية الفلسطينية وتميزه من حيث الجودة والكمية والمنافسة.
ويعتبر قطاع إنتاج الحليب من الروافد الأساسية للاقتصاد الفلسطيني، فقد كانت بداياته في السبعينيات.
تشير الإحصاءات الخاصة بوزارة الاقتصاد إلى أن أعداد هذه المنشآت الخاصة بصناعة منتجات الألبان قد بلغت نحو ثلاث منشآت في ذاك الوقت، وتطورت الى عامنا الحالي، حيث اصبح لدينا 45 مؤسسة صناعية مسجلة في وزارة الاقتصاد الوطني، تلبي منتجاتها صحة ومتطلبات المستهلك الفلسطيني المتنامية، وتستحوذ على ما نسبته 75% من حصة السوق الفلسطيني، بقيمة استثمارية تقدر بـ 80 مليون دولار سنويا، وتصل الطاقة الانتاجية اليومية لمصانع الألبان 550 - 600 طن يومياً، ولم يكتف هذا القطاع بالأصناف التقليدية، بل واصل توسعه وإضافة وتطوير منتجات جديدة. ووفر حوالي 15 ألف فرصة عمل؛ كما إن حصته من الصادرات الفلسطينية بلغت 22%، هذا وتحتل الصناعات الغذائية الفلسطينية موقعاً حيوياً ضمن القطاع الصناعي الفلسطيني بشكل عام، وضمن قطاع الصناعات التحويلية بشكل خاص؛ فقد بلغ عدد المؤسسات في صناعات المنتجات الغذائية والمشروبات في الضفة الغربية وقطاع غزة (2343) منشأة، وتمثل 14% من إجمالي المنشآت الفلسطينية. كما تشير إحصاءات وزارة الزراعة الفلسطينية إلى أن عدد مربي الأغنام يبلغ حوالي 47 ألفا، وعدد مربي الأبقار 1200، بالإضافة لآلاف الأيدي العاملة في هذا المجال. ويمتلك المزارعون نحو 900 ألف رأس من الغنم والماعز تنتج قرابة 170 ألف طن من الحليب سنويا يذهب نصفها لرضاعة المواليد وما يتبقى يستخدم للاستهلاك المحلي وصناعة الألبان والأجبان، كما يحوزون 25 ألف رأس لبقر حلوب تنتج 165 ألف طن من الحليب سنويا والتي تذهب لتصنيع الجبن واللبن الرائب.
إن الإنجاز الفلسطيني، على صعيد قطاع صناعة الألبان يمثل قصة نجاح بحاجة الى تعزيز ودعم وحماية من قبل الجهات الحكومية، كما أن التجربة بحاجة الى تعميم على كافة القطاعات الانتاجبة الاخرى، فقبل أكثر من عشرين عاماً كانت السيطرة لشركات الألبان الاسرائيلية بالسوق الفلسطيني، حيث احتل المنتج الوطني في ذاك الوقت 30% من حجم السوق المحلي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد استطاع المستثمر الفلسطيني أن يغير الواقع على الأرض ليصبح القائد والمسيطر على السوق الفلسطيني وذلك بتطوير منتجاتة بما تتناسب مع رغبات المستهلكين واحتياجاتهم.
قطاع تصنيع الألبان هو من أكثر القطاعات الاقتصادية ارتباطاً في العنقود الصناعي والزراعي، إذ تشكل نسبة اعتماده على المواد الأولية المحلية ما يزيد عن 85 %، مما يؤكد على اهمية هذا القطاع ودوره الأساسي في بناء الاقتصاد الوطني المُستقل وتشغيل الأيدي العاملة. وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء أن العائلة الفلسطينية تنفق نحو (36 %) من ميزانيتها على الغذاء؛ ما يتيح لهذه الصناعات فرصة النمو والتطور في ظل هذا الحجم الكبير للطلب المحلي.
ولتعزيز دور تلك الشركات المصنعة، علينا إدراك العقبات وتداركها سريعاً لكي نشارك في نمو هذه الصناعة النموذجية في فلسطين، وبعد تمعن في السلسة العنقودية، ودراسة الثغرات التى تزيد من كلفة الانتاج أشارك القارئ، وأصحاب القرار بتلك التحديات وسبل تذليلها:
أ:- ارتفـاع أسـعار الأعـلاف بصـورة مستمرة واستيراد الأعلاف التي لا تتوفر إلا داخل إسرائيل، تحديدا الأعلاف المخمرة الخاصة بأبقار الحليب ينبغي أن تنقل من مخازنها إلى المزارع في اوقات قصيرة للحفاظ على جودتها، وعدم توفر أنواع جيدة من الأعلاف بحيث تؤدي إلى رفع معدلات الدسم في الحليب.
ب:- عـدم توفر المراعي الطبيعية الخضراء بحيث تعمل على تخفيف التكاليف المتعلقة بالأعلاف .
ج:- عـدم توفر سلالات جيدة من الأبقار الحلوب والتي تعمل على توفير المادة الخام اللازمة للصناعة.
د:- عـدم وجود مراكز متخصصة بحيث تعمل على تزويد المزارعين بالأنواع المحسنة والأصناف ذات السلالة الجيدة من الأبقار، وتناقص أعداد أبقار الحليب، ومنع الاحتلال الفلسطينيين من استيراد المزيد من الرؤوس من الخارج.
هـ :- اتفاقية بـاريس الاقتصادية لها دور مهم في تحديد الكميات التي يسمح باستيرادها من كل مادة خام ومعدلات التعريفة الجمركية التي تفرض عليها.
و:- استباحة الشركات الإسرائيلية للسوق الفلسطينية وتسهيل توزيع منتجاتها فيه.
ز:- تفاقم كبير في مشكلة المياه، وارتفاع أسعار مياه الصهاريج التي زادت أكثر من سبعة دولارات للمتر المكعب الواحد.
وعليه، يجب العمل وبشكل منظم من قبل القطاع الحكومي والخاص على تعزيز حلقات الإنتاج لدعم صناعة الألبان بفلسطين، وفي هذا السياق أتوجة الى المسؤولين باقترحات عملية:-
اولاً:- الإسراع بالاستثمار في قطاع صناعة الأعلاف في فلسطين من نقص حاد، اذ لا يغطي الانتاج المحلي سوى 32% من السوق الفلسطينية، التي يبلغ استهلاكها السنوي حوالي 820 ألف طن.
ثانياً:- الاسراع بتنفيذ القرار السابق المتخذ من قبل الحكومة الفلسطينية بتكليف خلية الأزمة بتقديم مقترحات حول إمكانية دعم قطاعي الأعلاف والزيوت لعرضها على مجلس الوزراء، وعكس نتائجها على القطاعات الإنتاجية عامة وقطاع الألبان خاصة.
ثالثا:- إن أي استثمار فلسطيني في أي قطاع زراعي أو صناعي يحرر مئات ملايين الدولارات من السيطرة الضريبية الإسرائيلية، وهي أموال سيكون بمقدور الحكومة الفلسطينية جبايتها، كما أن ذلك سيساهم في تخفيض أزمة عجز الميزان التجاري الذي وصل إلى حوالي 4.788 مليار دولار.
رابعا:- إن عملية دعم سلسلة التوريد لقطاع الألبان، سيؤدي الى تعزيز مكانة المنتج أمام الهجمات المتكررة من المنتج الاسرائيلي، وسيؤدي الى تشغيل نسبة عمالة عالية، مما سيقلل من نسية البطالة.
خامسا:- إعفاء قطاع مربي المواشي والابقار، وصناعة الألبان من الجمارك المفروضة على استيراد المواد الخام، وذلك كبادرة تعزيز للمنتج الوطني التاريخي الفلسطيني.
وفي الختام، أقول السر الأعظم للنجاح في الحياة هو أن تدرك ما المقدار الذي يمكن لك فعله ثم تقوم بفعله، فلنعمل على تعزيز النجاح وتقديره.
*مستشار اقتصادي– شريك وممثل لصندوق دعم المشاريع الناشئة- فاستر كابتل– دبي

