مستنقع الخطأ ..
الكاتب: احمد صيام
في قانون الحساب والعقاب والثواب ، قد يكمن الخطأ والصواب ، والخطير في الموضوع ، إن كان الخطا مبرمجا من صناع محترفين لايقاع آخرين فيه عن سبق الاصرار والترصد ، لتحقيق اهداف خبيثة مبيتة دبرت بليل سواده حالك .
ولكن الاخطر من ذلك كله ، الامعان في الخطا بعد اكتشافه ، وابصار ما يكمن في داخله . هنا لا بد من وقفة مع الذات وإجراء عملية حساب شاملة و بأثر رجعي ، بعيدا عن الحسابات الذاتية الضيقة ، تحقيقا للمصلحة العليا ، ولا انكر ان اقسى اشكال الصراع التي يخوضها الانسان خلال سني عمره هو الصراع مع الذات ، خاصة حينما يكون مضطرا للتفاعل مع ما يخالف قناعاته ومبادئه التي نشىء وتربى عليها وناضل لاجلها وربما تعرض لمصاعب في مسيرته وهو يحاول ان يسوقها ، والمؤلم في الامر، ان يكتشف انه كان يعيش في وهم نابع من حلم كبير يدور في عقله قبل ان يضطر للتخلي عنه و يدفنه في اعماقه .
في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، والعربي الاسرائيلي ، ثمة اخطاء وقعت بها مختلف الاطراف ، ومن الطبيعي ان يخرج من يبرر هذه الاخطاء ، بل ويجهد دفاعا عنها وفق رؤية ضيقة دون تشريحها ومعرفة مواطن القوة والضعف منها او استخلاص العبر واخضاع القضية برمتها لميزان الحساب والعقاب والثواب .
في رؤية بسيطة لحاضر الصراع ، دون العودة الى ماضيه بالرغم من الارتباطات القوية بين الماضي والحاضر الذي في معظمه مبني على الماضي ، ثمة اخطاء ، كانت عبارة ربما عن افخاخ وقع بها الفلسطينيين ويمكن القول ، ان صانعوها نجحوا الى حد ما في التسرب عبرها لتحقيق ما يصبون اليه ، حتى وان كانت تسير ببطىء ، الا انها جعلتهم اكثر قربا من احلامهم المبنية على ايدولوجية ترفض الاخر وتتعنصر حتى لالوان من ذات جلدتهم ، شرقي وغربي ، وابيض واسود ....
اوسلو :
عرابوا هذا الاتفاق ارادوا منه " قبرا لهم ووطنا لاحفادهم " ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفنهم وكان عبارة عن فخ نصب لهم ، حصلت من خلاله دولة الكيان على اعتراف صريح بوجودها ، دون ان يكون متبادلا ، وكان عبارة عن مرحلة انتقالية ، من المفترض ان تكون قد انتهت بعد خمس سنوات من توقيعه ، بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ، ولكن دولة الكيان استغلت هذا الاتفاق افضل استغلال ، فمنحت الفلسطينيين " رخاءا مسموما " انتهى بتدميركل ما تحقق وانجز، وتخلصت من عبىء المسؤولية عن السكان الفلسطينيين وواصلت سياساتها التهويدية الاستعمارية في الاراضي الفلسطينية المحتلة والتي حسب نصوص اوسلو هي اراضي الدولة الفلسطينية ، ولكن لن تعر اي اهمية لهذه النصوص وتنصلت منه واستغلته لتمرير اهدافها ، ويمكن القول ان ذلك كان بتواطىء غربي واضح عبر غض الطرف عن جرائم الاحتلال بحق البشر والحجر والشجر والاكتفاء ببيانات الادانة والشجب دون اجراءات عملية فعلية تحاسب الاحتلال على هذه الجرائم ومخالفته قوانين وقرارات الشرعية الدولية ومواصلة الحديث عن " وهم " الدولة الفلسطينية " والتي عمدت دولة الكيان عبر اجراءاتها الى وأده عبر تقطيع اوصال الارض الفلسطينية بمستعمرات ومجموعة من المعازل ما هي الا نظام فصل عنصري .
كذلك كان هناك تواطؤ عربي ، عبر ابتزاز الحكام العرب وتهديدهم بهزعروشهم ما لم يسيروا في قطار التطبيع ورفع يدهم عن دعم الشعب الفلسطيني ، الى درجة وصلت بوصف النضال والكفاح والمقاومة الفلسطينية لاجل الحرية والاستقلال بالارهاب !!
ومن دون شك هناك الكثير من المآخذ على هذا الاتفاق ، والتي لا بد من الوقوف عندها واعادة تقييمها بما يخدم المصالح الوطنية العليا للشعب العربي الفلسطيني .
الانقسام الفلسطيني الفلسطيني :
الانقلاب الذي قامت به حركة حماس في حزيران 2007 في قطاع غزة ، ودأبت على تسميته " بالحسم العسكري " ، وصار فيما بعد يعرف باسم الانقسام للتخفيف من حدة تبعاته المؤلمة التي ما زالت ماثلة حتى اللحظة في الواقع الفلسطيني ، اعتبره البعض فخ خطير وقعت به قيادتي حركتي حماس وفتح ، وكان صنيعة اسرائيلية امريكية غربية وعربية ايضا ، حيكت وقائعه بكل دقة ، دُكت فيه الاسافين بين ابناء الشعب الواحد ، وبثت الفتنة الداخلية في وسطه وأجج فتيل الصراع الداخلي ، وذلك ضمن سياسة فرق تسد ، وما زال الشعب الفلسطيني يكابد من ويلاته حتى اضحى في عنق الزجاجة ، ففي الوقت الذي انفصلت فيه الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية عن بعضها البعض ، انقسم فيه الشعب الفلسطيني وانصرف عن الهدف السامي الذي يناضل ويكافح ويجاهد لاجله وهو الحرية والاستقلال ، وانشغل بمحاولات عقيمة لانهاءه ، لاجل توحيد الصف والكلمة والقرار الفلسطيني لدرء المخاطر والتهديدات التي تلاحقه من كل اتجاه ، وهو ما دفع سلطات الاحتلال الى استغلاله بعناية شديدة ، كانت الباكورة فرض حصار بري وبحري وجوي على قطاع غزة تحت مبرر ان حركة حماس حركة ارهابية ، وشن اكثر من عدوان دفع فيها الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا .
لقد شكل الانقسام الفلسطيني الداخلي هدية العمر لحكومات تل ابيب المتعاقبة وتحديدا نتنياهو الذي جعلها كنزا استراتيجيا له ، استثمر فيه كل ادواته لاستدامته وتعميقه ، وروجه للعالم وكأنه تعبيرا صريحا على عدم جاهزية الفلسطينيين لتأسيس مشروعهم السياسي الذي انقسم في اول امتحان له ، حتى ان نتنياهو اعتاد الرد على مطالبات دولية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بتعليل ان اطراف المعادلة الفلسطينية الداخلية في حالة انقسام ولا يوجد من يمثلهم لتمرير اتي اتفاق معهم ، وعندما كانت القيادة السياسية الفلسطينية تحاول رأب تصدعاتها الداخلية عبر حوارات المصالحة ، كان نتنياهو اول المهاجمين لها بحجة ان السلطة الفلسطينية تحاور حماس "الارهابية " وفق زعمه ، وغيرها من الاعيب نجح نتنياهو بالرقص عليها للتهرب من اي استحقاق اممي بشأن الكينونة الفلسطينية .
وبعيدا عن الغوص في تفاصيل هذا الانقسام البغيض الممتد منذ 17 عاما ، ولاجل المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني ، لا بد لكلا الحركتين الكبرتين ( فتح وحماس ) التسامي على جراحهما وتقييم المرحلة بدقة واستخلاص العبر من العقبات الماضية ونقاط الخلل وطي صفحة الانقسام حتى لو كان هناك ضرورة لتقديم تنازلات مشتركة لاستعادة ثقة الشارع بالحركة الوطنية الفلسطينية بكافة الوانها واطيافها ، والوقوف امام العالم اجمع على قلب رجل واحد .
طوفان الاقصى :
نحو خمسة شهور والعدوان الاسرائيلي الوحشي البربري الهمجي والابادة الجماعية التي طالت البشر والحجر والبنى التحتية في قطاع غزة مستمرة دون هوادة ، تحت مبرر استعادة الهيبة التي حطمتها عملية طوفان الاقصى النوعية التي شنتها المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس في السابع من تشرين اول الماضي (اكتوبر) واربكت صفوف العدو قيادة وجيشا وشعبا ، الا ان اراء المحللين لها قد تباينت ، بين تمجيدها ، وبين اعتبارها فخ وقعت به حركة حماس ، وارتكبت خطأ في المبادرة الى المعركة لان التبعات كانت تدميرية وربما غير محسوبة ، حيث الكم الهائل من الشهداء والجرحى والنازحين والدمار، واصرار الاحتلال على مواصلة العدوان لتحقيق اهدافه المعلنة "بانهاء وجود حركة حماس" ، والمبطنة "بتمرير مخططاته بابادة الشعب الفلسطيني ، اما بالقتل الوحشي او بالتهجير خارج حدود القطاع ، ومن ثم الانتقال الى الضفة الغربية القدس وفرض وقائع جديدة بالتضييق والحصار وعزل الاراضي الفلسطينية بسواتر وبوابات وحواجز عسكرية واجراءات تعجيزية ، تدفع الى التهجير القسري او الطوعي" .
ربما هناك وجهة نظر محقة في التباين بالاراء ، فما جرى وما يجري من ردة فعل وحشية كان اكبر مما كان الانسان الفلسطيني ان يتخيل حدوثه . طوفان الاقصى اخترقت صفوف جيش كان يعد الاقوى في المنطقة ويستحيل اختراقه ، بعتاد اغلبه بدائي محلي الصنع ، تحطمت تحت ازيزه اسطورة الجيش الذي لا يقهر، فانبرى الكثير يمجد بهذه المقاومة ، وبعض من وسائل الاعلام العربية والمحلية والاجنبية سخرت اصواتها وتسابقت على استضافة خيرة المحللين العسكريين والسياسيين ، في تهويل قدرات المقاومة ونجاحها في الصمود والثبات وتدفيع العدو اثمان غير معهوده في تاريخ حروبه منذ إقامة كيانه عام 1948 ، فيما من جانب آخر ، هناك من اعتبر ان مجريات الاحداث كان مخطط لها مسبقا ، ومشابهه للفخ الذي وقع به الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ابان احتلاله دولة الكويت عام 1990 لاستدراجه وتبرير العمل على انهاء حكمه ، وكانت النتيجة تفتيت العراق ونشر الفوضى في ارجاءه ، وهو ما هو حاصل الان .
مع ذلك وبصرف النظر عن تباين الاراء ، والتبعات الخطيرة والتهديدات التي ما زالت تلوح بالافق لمستقبل القضية الفلسطينية ، الا ان المقاومة الفلسطينية وبالرغم من الثمن الباهظ الذي يدفعه ابناء الشعب الفلسطيني ، ما زالت صامدة ، وفشل الاحتلال حتى اللحظة في الوصول الى اي من اسراه المحتجزين لدى فصائل المقاومة في قطاع غزة او حتى الحصول على معلومة ولو صغيرة تقوده اليهم .
بكل الاحوال ولتفادي الانزلاق اكثر في مستنقع الخطأ ، وانقاذ ما يمكن انقاذه والخروج بأقل الخسائر، ومحاولة تصحيح ما ارتكب من اخطاء سابقة تراكمت مع الزمن ، الفلسطينييون ، قيادة وفصائل مطالبون ، اولا بحوارذاتي يجري فيه عملية حساب ومراجعة شاملة تقود الى التصالح مع الذات قبل اي شيء ، ومن ثم الانتقال الى حوار وطني شامل بعيدا عن المناكفات الحزبية والثنائية تشارك فيه كافة الاطياف تجتمع تحت راية واحدة هي راية فلسطين الجامعة للكل ، والشروع باجراء عملية تقييم لكافة الاحداث والمعطيات والتبعات تكلل بإجراءات عملية فعلية لتوحيد الصف والكلمة والقرار واتلاع الاعشاب السامة التي تتسرب من بين تصدعاتنا الداخلية ، وثانيا الشروع بحوار سياسي شامل بعد انجاح الحوار الوطني ، كمدخل للتفاهم حول ادارة المرحلة القادمة بمسؤولية جماعية لافشال مخططات الاحتلال ، ورفع المعاناة التي يكابدها الشعب الفلسطيني ، وتحقيق ما يصبو اليه الكل الفلسطيني ، وفي المقدمة الكرامة والحرية والاستقلال والانعتاق من العبودية .

