الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:50 AM
الظهر 12:39 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:08 PM
العشاء 8:26 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

غزة: اليوم التالي والممر التجاري.. فرصة اقتصادية أم فخ "إسرائيل الكبرى"؟

الكاتب: د. دلال صائب عريقات

برز مجدداً اسم جاريد كوشنير وطوني بلير، وتُطرح في الآونة الأخيرة مشاريع إقليمية ضخمة تربط بين آسيا وأوروبا بطرق تجارية جديدة، تهدف إلى إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي. ومن أبرز هذه المشاريع فكرة ممر يبدأ من الهند، مرورًا بالخليج العربي، ثم برًا عبر الأردن وصولًا إلى غزة، حيث تتحول الأخيرة إلى عقدة لوجستية تنقل البضائع إلى أوروبا عبر المتوسط.

هذا الطرح يبدو في ظاهره مشروعًا اقتصاديًا واعدًا، لكنه في جوهره يحمل أبعادًا أمنية وجيوسياسية خطيرة، تتعلق بمكانة غزة ومستقبلها، وبالتوازنات الإقليمية، بل وبفكرة "إسرائيل الكبرى" التي تتجاوز حدود فلسطين. سنحاول تقديم تحليل من عدة زوايا: 

أولًا: غزة كمركز تجاري بديل لقناة السويس: تقوم الفكرة على جعل غزة حلقة وصل تجارية بين الشرق والغرب، بما يجعلها بديلًا استراتيجيًا لممر قناة السويس.

•   اقتصاديًا: يوفر المسار الجديد طريقًا بريًا قد يكون أسرع وأقل تكلفة من النقل البحري التقليدي عبر قناة السويس.

•   إقليميًا: يقلص من دور مصر الاستراتيجي كمحور للتجارة العالمية، ويمنح إسرائيل والولايات المتحدة والأردن والخليج مكانة جديدة في النظام التجاري.

•   فلسطينيًا: يطرح تساؤلًا وجوديًا: هل يمكن أن تتحول غزة من منطقة محاصرة إلى مركز اقتصادي دولي؟ أم أنها ستبقى مجرد “ممر” خاضع لإشراف خارجي؟

ثانيًا: البعد الأمني – سيطرة أمريكية–إسرائيلية: لا يمكن فصل المشروع عن الإطار الأمني, احتلال غزة على أساس:

•   الرقابة والسيطرة: أي حركة للبضائع عبر غزة ستخضع لإشراف أمني أمريكي–إسرائيلي مشترك، بما يجعل الفلسطينيين مهمشين في إدارة شريان تجاري يمر عبر أرضهم.

•   الأمن قبل الاقتصاد: جوهر المشروع ليس التنمية الفلسطينية، بل ضمان أن تبقى غزة مرتبطة بهيكل أمني إسرائيلي قادر على التحكم في الحدود والموانئ.

•   الرسالة السياسية: المشروع يعكس قناعة بأن أي إدماج لغزة في الاقتصاد العالمي لا بد أن يكون مشروطًا بالأمن الإسرائيلي، ما يحول الاقتصاد إلى أداة للسيطرة لا للتحرر.

ثالثًا: الحلول الاقتصادية على حساب الحقوق السياسية: الممر التجاري ليس سوى نسخة جديدة من مقاربات قديمة سعت إلى استبدال الحقوق السياسية الفلسطينية بمكاسب اقتصادية محدودة.

•   جاريد كوشنر: خلال إدارة ترامب الاولى، طرح "صفقة القرن" والاتفاقيات الابراهيمية التي ركّزت على ضخ أموال واستثمارات في غزة والضفة مقابل التنازل عن الحقوق الوطنية والسياسية. كانت فلسفته واضحة: الاقتصاد أولًا، والسياسة مؤجلة أو ملغاة. والان إدارة ترامب الثانية تقدم نسخة جديدة من صفقة القرن تحت مسمى "الريڤييرا". 

•   توني بلير: بصفته مبعوثًا للجنة الرباعية الدولية، أمضى سنوات في الترويج لفكرة "السلام الاقتصادي"، معتبرًا أن تحسين الأوضاع المعيشية كفيل بتقليص المطالب السياسية. لكن هذه المقاربة أثبتت فشلها، إذ لم تحقق لا سلامًا ولا نموًا اقتصاديًا، بل منحت إسرائيل المزيد من الوقت لتوسيع مشروعها الاستيطاني.

إعادة إنتاج هذه الوصفات القديمة اليوم عبر مشروع الممر التجاري يرسخ منطق "الاقتصاد كبديل عن السيادة"، وهو منطق يتجاهل جوهر القضية الفلسطينية: الحرية وحق تقرير المصير.

رابعًا: التداعيات الإقليمية والدولية: الممر التجاري عبر غزة لا يقف عند حدود فلسطين، بل يؤثر على كامل المنطقة:

•   مصر: تواجه تهديدًا مباشرًا لدورها التاريخي في قناة السويس، ما قد يُضعف من مكانتها الاستراتيجية عالميًا.

•   الأردن: يتحول إلى دولة عبور، يخضع اقتصادها وأمنها إلى ترتيبات إقليمية لا يتحكم في تفاصيلها.

•   الخليج: يندمج أكثر في المنظومة الأمنية–التجارية الأمريكية–الإسرائيلية، ما يضعف استقلالية قراراته الاقتصادية.

•   أوروبا: مستفيدة لوجستيًا من مسار أقصر وأرخص، لكنها في الوقت نفسه متواطئة مع مشروع يتجاوز حقوق الفلسطينيين ويهمش سيادة الدول العربية.

•   المشهد الدولي: المشروع يمثل جزءًا من المنافسة بين الولايات المتحدة (التي تدفع بهذا الممر) والصين (التي تطرح مبادرة “الحزام والطريق”)، ما يجعل غزة ساحة تنافس للقوى الكبرى.

خامسًا: "إسرائيل الكبرى" وتجاوز حدود الجوار: لا يمكن فهم هذا المشروع بمعزل عن البعد الأيديولوجي العميق المرتبط بفكرة "إسرائيل الكبرى":

•   التوسع الجغرافي–الاقتصادي: تحويل غزة إلى عقدة تجارية بإشراف إسرائيلي–أمريكي يجعل إسرائيل لاعبًا إقليميًا لا يكتفي بحدوده، بل يمد نفوذه من الخليج حتى المتوسط مما يعني التعدي على السيادة العربية.

•   إعادة رسم الخرائط: المشروع يجسد عمليًا توسع “إسرائيل الكبرى” ليس باحتلال أراضٍ جديدة، بل بفرض هيمنة اقتصادية–أمنية تتجاوز حدودها التقليدية.

المشروع الاقتصادي–الأمني الذي يجعل من غزة عقدة تجارية عالمية يبدو في ظاهره فرصة للتنمية والانفتاح، لكنه في جوهره جزء من مشروع أكبر لإعادة هندسة المنطقة تحت مظلة أمريكية–إسرائيلية. هو مشروع يهدد السيادة الفلسطينية، ويُضعف من أدوار دول الجوار، ويمنح إسرائيل موقعًا يتجاوز حدودها إلى فضاء إقليمي واسع. وبذلك، فإن غزة تُوضع أمام خيارين متناقضين: أن تكون بوابة اقتصادية حقيقية تعزز السيادة الفلسطينية وتخدم التنمية أو أن تتحول إلى فخ استراتيجي يكرس الهيمنة الإسرائيلية تحت شعار “التنمية والربط التجاري”.

من الناحية النظرية، قد يبدو المشروع فرصة لغزة كي تتحول من سجن مفتوح إلى بوابة تجارية عالمية، قادرة على جذب الاستثمارات وتحسين حياة سكانها. لكن الواقع يكشف عن فخ أكبر: فغياب السيادة الفلسطينية يجعل أي إنجاز اقتصادي مجرد أداة للهيمنة الخارجية، بما في ذلك احتمالات احتواء حماس ضمن سيناريوهات "اليوم التالي". كما أن المشروع يكرس عمليًا الفصل بين غزة والضفة، ويؤسس لفكرة "دولة غزة" بما يقوض حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وفي لعبة المصالح الإقليمية والدولية، قد نفاجأ بأدوار الحركات التحررية تمامًا كما حدث في سوريا، حيث جرى توظيف تلك الحركات في معادلات معقدة. وفي المحصلة، فإن الخطر الأكبر يكمن في إعادة إنتاج التبعية، بحيث يتحول المشروع من مدخل للتحرر إلى أداة لتطويع الفلسطينيين وربطهم بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وتمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...