الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:14 AM
الظهر 11:45 AM
العصر 2:32 PM
المغرب 4:57 PM
العشاء 6:17 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

آفاق مساءلة الاحتلال الإسرائيلي في ضوء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن المناخ

الكاتب: تمارا الطيبي

هذه الورقة من إعداد تمارا الطيبي، ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.

مقدمة

أصدرت محكمة العدل الدولية، بتاريخ 23 تموز/ يوليو 2025، رأيًا استشاريًا بشأن "التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المُناخ"[1]، يعدّ الأول من نوعه، ويُحدد الطبيعة القانونية لمسؤولية الدول في الحد من الانبعاثات والتلوث البيئي[2][3].

يكتسب هذا الرأي أهمية مضاعفة في الحالة الفلسطينية، لا سيما في سياق حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل ضد قطاع غزة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما فرضته من واقع بيئي مُعقد في القطاع نتيجة العمليات العسكرية المُتعمدة التي استهدفت البيئة البرية والبحرية والجوية، وقد أدت هذه الممارسات إلى تُفاقم الأضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد التي تؤثر في المناخ، وستمتد آثارها للأجيال القادمة[4].

يطرح هذا التطور القانوني تساؤلًا مركزيًا يتعلق بكيفية إعمال هذا الرأي الاستشاري في تشكيل أساس قانوني لمساءلة الاحتلال الإسرائيلي في سياق الأضرار البيئة والمناخية التي خلّفتها حرب الإبادة في غزة، وخرق الاحتلال لالتزاماته البيئية والمناخية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، الذي يُعزز مشروعية المطالبة بالمساءلة والتعويض، ودعم جهود التوثيق.

الخلفية العامة لإصدار الرأي الاستشاري

في أيلول/ سبتمبر 2021، أعلنت جمهورية فانواتو نيتها السعي للحصول على رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن تغير المناخ. وقد استلهمت ذلك من مبادرة لمجموعة شبابية تدعى طلاب جزر المحيط الهادئ لمكافحة تغير المناخ[5]، وشكلت فانواتو مجموعة مصغرة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لكسب الدعم أمام الجمعية العامة، حيث أدت مناقشات المجموعة إلى صياغة مشروع قرار قدم من 108 دول وكيانات، في 1 آذار/ مارس 2023، وبعدها بأربعة أسابيع قررت الجمعية العامة اعتماد مقترح القرار بالإجماع من دون تصويت[6].

وفي 12 نيسان/ أبريل 2022، أحالت الجمعية العامة الطلب إلى محكمة العدل الدولية وفقًا للمادة (96) من ميثاق الأمم المتحدة[7]، وعملًا بالمادة (65) من النظام الأساسي المحكمة[8]، قُدّم رأي استشاري بشأن تقديم توضيح بالتزامات الدول بموجب القانوني الدولي؛ لضمان حماية النظام المناخي وأجزاء أخرى من البيئة من الانبعاثات البشرية المنشأة لغازات الدفيئة لصالح الدول وللأجيال القادمة، إضافة إلى تحديد العواقب القانونية المترتبة على هذه الالتزامات بالنسبة إلى الدول التي تسببت من خلال أفعالها أو امتناعها عن أفعال معينة في إلحاق ضرر جسيم بالنظام المناخي وأجزاء أخرى من البيئة، وتحديدًا باتجاه الدول الجزرية الصغيرة النامية التي تُعد مُتضررة أو الأكثر عرضة للتضرر من تغير المناخ، وكذلك باتجاه الشعوب والأفراد المتضررين من تغير المناخ[9].

وفي 23 تموز/ يوليو 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية الرأي الاستشاري فيما يتعلق بالتزامات الدول بتغير المُناخ، الذي ساهم في إحداث تحول نوعي في الفقه الدولي، من خلال ربط المحكمة التزامات الدول المُتعلقة بالتغير المناخي بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنسان[10].

جاء الرأي الاستشاري في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الأزمات التاريخية والمُناخية مع النزاعات المسلحة، وأوضحت الجمعية العامة في طلبها إلى محكمة العدل أن الدوافع الرئيسية لإصدار الرأي الاستشاري تعود إلى فشل الدول في الوفاء بمرجعيات القانون الدولي، التي من أبرزها اتفاق باريس للمناخ، حيث أدت زيادة الجفاف وانخفاض المساحات الخضراء وارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل، إلى جانب تحميض المياه وتراجع مستويات منسوب الأنهار، إلى الكوارث الإنسانية التي تسببت في تراجع الجهود المبذولة لتحقيق التنمية المستدامة؛ ما أدى إلى خلق ظروف تُهدد الأمن الغذائي ووفرة المياه، وتدفع الأفراد المُتأثرين إلى النزوح[11].

كما أشارت تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير الدول إلى وجود تلوث عابر للحدود، وارتفاع ملحوظ لدرجات الحرارة الناجمة عن الاحتباس الحراري العالمي منذ منتصف القرن العشرين نتيجة الانبعاثات البشرية المُنشئة لغازات الدفيئة الناتجة من النزاعات والصراعات، خصوصًا في المناطق والأنظمة الأكثر هشاشة. فكافة هذه الدوافع استدعت ضرورة تحديد التزامات الدول بموجب القانون الدولي، وتحديد العواقب القانونية للدول التي تسببت في التغير المناخي.

التفاعلات الدولية مع الرأي الاستشاري في سياق علاقته بالنزاعات المسلحة

أضاءت محكمة العدل على نقطة جوهرية بتأكيدها أن الالتزامات البيئية لا تتعطل بالنزاعات المُسلحة، ووفقًا لذلك فإن الاحتلال لا يُعفى من المسؤولية المُناخية[12]. كما أكدت المحكمة، نظرًا لما تتمتع به الالتزامات المناخية من مصلحة جماعية، أن الدول مطالبة بوقف الأفعال غير المشروعة ضد البيئة، وعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن ذلك، وعدم تقديم المساعدة التي تُكرس استمراره[13].

في هذا السياق، أكد السفير عمار حجازي، رئيس بعثة دولة فلسطين في هولندا، خلال بيانه في الجلسة العلنية أمام محكمة العدل، ضرورة إدراج الدول الانبعاثات الغازية الناجمة عن العمليات العسكرية في المحاسبة المناخية وربطها بالوضع في قطاع غزة، وطلب من المحكمة أن تُدرج توجيهًا مُحددًا بشأن مسؤولية الدول عن انبعاثات غازات الدفيئة في النزاعات المُسلحة، خصوصًا أن إسرائيل لا تدرج انبعاثاتها من غازات الدفيئة الناجمة عن احتلالها العسكري ضمن التقارير الرسمية التي تُقدم إلى اتفاقية الأمم المُتحدة الإطارية بشأن التغير المُناخي[14].

كما أن وزارة الخارجية الإسرائيلية لم تُعلن أي موقف من الرأي الاستشاري، إلا أن مواقف إسرائيل السابقة من الآراء الاستشارية التي تُصدرها المحكمة تعبر عنها دائمًا بأنها غير مُلزمة، وتفسر ذلك بأنها تتعاطى مع القرارات الدولية التي تمس سيادتها بسياسة عدم الاكتراث.

رحّب خبراء الأمم المتحدة بالتوضيح المُفصّل الذي قدمته محكمة العدل بشأن تأثير تغيّر المناخ على حق الإنسان في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، مؤكدين تأكيد المحكمة على الآثار المناخية غير المتناسبة على الأطفال والشعوب الأصلية والمجتمعات الريفية والنساء والمهاجرين والأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص الذين يعيشون في ظروف هشة، وقالوا: "ينبغي على كل دولة، وخاصة الدول ذات الانبعاثات العالية تاريخيًا، التي تُصدر حاليًا انبعاثات عالية، تنفيذ مشورة محكمة العدل الدولية كأساس لتصحيح مسار الجهود المناخية المحلية والدولية، بما في ذلك مفاوضات الأمم المتحدة المقبلة بشأن تلوث البلاستيك ومؤتمر الأطراف الثلاثين للمناخ في البرازيل"[15].

تطبيق الرأي الاستشاري على التداعيات البيئة للإبادة الجماعية في قطاع غزة

أدت حرب الإبادة الإسرائيلية إلى دمار بيئي واسع النطاق، فبحسب تقديرات الخبراء فإن التكلفة المناخية طويلة الأمد من انبعاثات الغازات الدفيئة في قطاع غزة الناجمة عن العمليات العسكرية تُعادل 1.89 مليون طن مُكافئ لثاني أكسيد الكربون، ويُقدر بأن ملايين من هذه الأطنان تُعادل حرق ملايين الأطنان من الفحم وثاني أكسيد الكربون؛ أي تنتج تلوثًا كربونيًا هائلًا يتعدى البصمة الكربونية السنوية للعديد من الدول الأكثر عرضة للتلوث البيئي[16].

وتُشير التقديرات إلى أن جُهود إعادة الإعمار ستعمل أيضًا على إنتاج غازات الدفيئة، إضافة إلى الناجمة أصلًا من العمليات العسكرية؛ نظرًا إلى أن هذه الغازات تتكون من إنتاج الإسمنت والحديد، وهدم وإزالة الركام، وعمليات النقل، وتشغيل المعدات الثقيلة، ويُقدر بأن تُنتج 31 مليون طن مكافئ لثاني أكسيد الكربون[17]. وتعادل الانبعاثات الناتجة من العمليات العسكرية في غزة خلال الأشهر الأولى تقريبًا انبعاثات دولة صغيرة؛ ما يُفاقم أزمة المناخ العالمية، خصوصًا أن هذه الانبعاثات عابرة للدول[18].

أشارت المحكمة بشكل واضح إلى التزامات الدول القانونية في حالات النزاع المُسلح والاحتلال، ويعني ذلك امتداد القيمة القانونية والمعنوية إلى الآثار البيئية في سياق الإبادة الجماعية في غزة المُرتكبة من إسرائيل- القوة القائمة بالاحتلال[19].

واستندت المحكمة في تأسيس الالتزامات المُلقاة على عاتق الدول إلى القواعد العامة من القانون الدولي، لا سيما مبدأ منع الضرر العابر للحدود، الذي يُؤكد أن جميع الدول والأطراف مُلزمة بمنع اتخاذ أي فعل يُسبب ضررًا جسيمًا للبيئة، وفي إطار القانون الدولي الإنساني[20][21].

وفي محاكاة هذا المبدأ في حالة الإبادة الجماعية في غزة، على إسرائيل واجبان: حظر استخدام البيئة وسيلة للردع أو الهجوم، والالتزام بتطبيق مبادئ القانون الدولي، حيث لا تتسبب أي عملية مُبررة عسكريًا في أضرار بيئية واسعة النطاق وطويلة الأمد تفوق النتيجة العسكرية المُتوخاة[22].

وأكدت المحكمة مبدأ العناية الواجبة، وهو التزام إيجابي يلزم الدول باتخاذ جميع التدابير الضرورية المتاحة والمعقولة لمنع إلحاق الضرر الجسيم، ولا يتطلب منه تحقيق نتيجة. وفي حالة غزة، يتطلب هذا المبدأ من إسرائيل اتخاذ الإجراءات لمنع والتقليل والسيطرة على انبعاثات الغازات الدفيئة الناجمة عن عملياتها العسكرية، إضافة إلى اتخاذ تدابير وقائية وإدارية وتيسير حوكمة النظم البيئية.

يتضح مما سبق أن المحكمة أولت اهتمامًا خاصًا بالتزامات الدول بالنظام المناخي لتحقيق العدالة البيئية للأجيال الحالية والمستقبلية، وأكدت تحقيق الدول للتعاون بالقدر المُمكن للحد من الانبعاثات، والتكيف مع آثار المناخ الناجمة عن العمليات العسكرية، ويتجسد هذا بوصفه واجبًا على الدول بتقديم الدعم المالي والتقني في قطاع غزة وغيره من مناطق النزاعات[23].

وتطرقت المحكمة إلى الآثار القانونية المُترتبة على الدول التي تخالف التزاماتها البيئية والمناخية وفقًا لمسؤولية الدول عن الأعمال غير المشروعة، وتظهر السياسات الإسرائيلية الواقعية إخفاقًا وانتهاكًا مُضاعفًا في واجب العناية الواجبة ومنع الضرر البيئي والمُناخي؛ ما تسبب في كارثة بيئية ومُناخية، فإسرائيل مُلزمة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستهداف البيئية في عملياتها العسكرية، لما يترتب عليها من أضرار بيئية ومناخية، إلى جانب تقديم ضمانات بعدم تكرار هذه الممارسات، وجبر الضرر البيئي، والتعويض المادي والمعنوي.

خاتمة

يُشكل الرأي الاستشاري بشأن تغير المناخ الصادر عن محكمة العدل الدولية تحولًا إستراتيجيًا في الفقه الدولي بالاعتراف بالبيئة والمناخ باعتبارها حقوقًا إنسانية جماعية، من خلال تأكيد الطبيعة القانونية الملزمة، وربطه تطبيقه بالسلام والأمن العالميين حتى في سياقات النزاعات المسلحة والاحتلال؛ ما يُوسع أفقًا قضائيًا في المساءلة الدولية عن مخالفة الالتزامات الدولية البيئية والمناخية لإسرائيل (القوة القائمة بالاحتلال في زمن الإبادة الجماعية في غزة)، لما يترتب على ممارساتها زيادة في الانبعاثات الدفيئة نتيجة العمليات العسكرية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...