ترامب يعبُر مرحلة المغامرة نحو المقامرة!
الكاتب: عبد المجيد سويلم
لا أعتقد أنّ أحداً جادّاً قد تفاجأ بما أقدم عليه رئيس أميركا دونالد ترامب، ولا من أيّ زاوية، إلّا إذا كانت المفاجأة تتعلّق بما تمّ نشره، والإعلان عنه في وسائل الإعلام، بما في ذلك ما صدر عنه نفسه، أو وزير دفاعه بيت هيغسيث، أو بعض مساعديه ومعاونيه بصورةٍ رسميّة أو شبه رسميّة، وبما صدر عن نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، ووزير دفاعها فلاديمير بادرينو لوبيز، وما صدر، أيضاً، عن «ماتشادو» الزعيمة الصهيونية للمعارضة الفنزويلية التي رحّبت بكلّ ما أقدم عليه ترامب، دون أن يبادلها هذا الترحيب، ودون أن يسكت عن تجاهلها.
والحقيقة أن وثيقة ترامب للأمن القومي، التي أعلنت بصورة رسمية في الشهر الماضي من السنة الماضية، والمؤلّفة من 33 صفحة، وكنّا أشرنا إليها في مقالات سابقة، تتحدّث بوضوح أن بلاده تعتبر النصف الغربي من الكرة الأرضية، خصوصاً الفناء الخلفي الذي تمثله أميركا اللاتينية هي مركز اهتمام، ومنطقة «مطوّبة» باسمها، وتعتبرها مجالها الحيوي الأوّل، وهي منطقة للنفوذ المباشر، ولن تسمح لأحدٍ، كائناً من كان، الاقتراب منها، إضافة إلى الشرق الأوسط.
أراد ترامب من خلال نشر وثيقة الأمن القومي الأميركي أن يقول هو، وكل طواقمه، وبتوافق مع ما آلت إليه مخلّفات الدولة العميقة: إن دائرة الاهتمام الأميركي الأخرى تبقى قائمة حسب الظروف والتطوّرات، لكنها ليست في دائرة الأولويات التي تراها إستراتيجية الأمن القومي الجديدة.
إلى هنا، لا يوجد أيّ مفاجآت، والعدوان المباشر على فنزويلا كان في مركز دائرة التوقّعات المرجّحة، وإذا كان هناك من مفاجآت هنا فهي في الشكل الفنّي للعدوان، وفي درجة إتقان وحَبك العملية، وفي وجود ما يكفي من «ضمانات» للإقدام عليها دون خسائر كان يمكن أن تقلب السحر على السّاحر.
حتى الآن ما زالت هناك حلقات مفقودة كثيرة، والمعلومات متضاربة، وتثير الشكّ والرّيبة في بعض جوانبها، وأغلب الظنّ أنّ الأمور لن تنجلي قبل عدّة أيام قادمة وأسابيع، وربّما عدّة شهور وسنوات بما يتعلّق بالبعدين المتوسّط والبعيد.
دعونا الآن نحاول فهم ما جرى، وبالتالي ما يمكن أن يجري في قادم الأيام القريبة، ودعونا نحاول تقييم هذا العدوان في خلفياته الحقيقية، وأهدافه الأهمّ، ومصير كل ذلك في المدى المنظور على الأقلّ.
الحقيقة أن العالم يعيش مرحلة «الترامبية» في، وعلى هيئةٍ من الانفلات الحقيقية من كل قيود دستورية أميركية، وتحوّلت فيها الدولة الأميركية إلى دولة تحكمها وتسيّرها طغمة مالية متحرّرة من الكوابح والحدود والقيود التي تمثلها البنية التقليدية للرأسمالية الأميركية، وبحيث أصبحت مؤسّسات الحكم السياسية، وحتى التشريعية، تُدار إمّا بالأوامر التنفيذية، أو بالالتفاف «القانوني» على ما يمكن أن تمثّله هذه المؤسّسات من كوابح أو قيود، وبذلك فإن «الترامبية» من هذه الزاوية هي، من حيث أعمق جوهر، وأوسع مضمون، انقلاب على الجمهورية الأميركية الديمقراطية مهما كانت هذه الديمقراطية قد وصلت إلى ما وصلت إليه في العقود الثلاثة الماضية، والحقيقة هنا أن قدوم «الترامبية» في الفترة الأولى كانت التمهيد للمرحلة الثانية الحالية، وكانت مرحلة «البايدنية» التي سبقت «الترامبية» الجديدة من حيث المرحلة والفترة مرحلة وسيطة وانتقالية نحو الجمهورية التسلّطية الجديدة التي تسلّم للأخيرة آخر ما كان «لديها» من مقاومة ضد جمهورية التسلّط.
وعلى المستوى الدولي لم تعد «الترامبية»، التي أرست كل معالمها وركائزها في السنة الأولى من «الترامبية» الثانية، تكترث بأيّ قانون دولي، وحوّلت الأمم المتحدة إلى مهزلة سياسية، وهمّشت كل مؤسساتها، بل وهاجمتها، وقاطعتها وهدّدتها وحاربتها. ولم تعد تهتمّ سوى باللجوء إلى قراراتها عندما تضمن لنفسها حرّية كاملة، وتفويضاً كاملاً للتغطية على سياساتها.
العالم اليوم يعيش مرحلة الاعتلال الذي أصاب عصبة الأمم في ثلاثينيات وبداية الأربعينيات من القرن الماضي، كما يعيش مرحلة الاختلالات التي أدّت إلى «الكساد العظيم» بعد الحرب العالمية الأولى، والتي نتج عنها في ضوء هذا الاختلال تضارب مصالح المكوّنات الاستعمارية التي نتجت عن الحرب، والرفض الذي أدّى إلى ظهور وصعود الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، وانتشارهما فيما بعد.
لماذا تنتعش الفاشية والنازية في نسختها الحالية؟
الجواب بسيط، ومعروف ومشخّص، أيضاً.. إنه الفشل لعدّة عقود من النيوليبرالية المتوحّشة، خصوصاً بعد أن ربح «الغرب» «الحرب الباردة» وسقط الاتحاد السوفياتي، وبعد أن تحوّلت النيوليبرالية إلى أيديولوجية العولمة المتوحّشة في صيغتها التي عبّرت عن نفسها بالأمركة.
في عام 2008 انهار النظام المالي في أميركا، وانهارت آلاف البنوك الكبيرة والصغيرة وشركات المال والمضاربة والوساطة العقارية، وأدّت الفقاعة في حينه إلى أكبر أزمة هزّت أركان النظام الرأسمالي، لكن «الغرب» استطاع جزئياً احتواء تبعاتها المباشرة بكثير من الخسائر، وبتبعات ستترك في الاقتصاد العالمي جمراً تحت الرماد، وهو الرماد الذي تطاير برياح الحرب الأوكرانية، والجمر الذي بدأ بالاشتعال بعد «طوفان الأقصى».
في هذه الأثناء شقّ الاقتصاد الصيني طريقه إلى القمم في الإنتاج والتجارة الدولية، وتعافى الاقتصاد الروسي رغم أكثر من 12,000 نوع من العقوبات، وتطوّرت الصناعات العسكرية الروسية بسرعة صاروخية، وبنت الصين منظومات دفاعية جبّارة تفوّقت فيها على الكثير من المنظومات «الغربية» العريقة.
وهنا بدأ «الشرق» مسار تحالفات عالمية جديدة، واتفاقيات جديدة أصبحت تهدّد وتزاحم مكانة «الغرب» في الاقتصاد العالمي، وأصبحت تمتلك قوة جذب هائلة للدول الصاعدة، وأصبح «الغرب» عاجزاً عن وقف هذا الاتجاه، ومن الواضح أن عشرات، وربّما مئات الاتفاقيات أصبحت تحاصر الاقتصاد «الغربي» وتزاحمه في منظومات التجارة الدولية، وفي حركة رأس المال، وفي شروط التبادل البينية داخل «البريكس»، على سبيل المثال، وأصبحت العملات الوطنية هي عملة التبادل بين ما يقارب 45% من سكان الكوكب.
الاقتصاد الأميركي دخل في مرحلة خطيرة من التضخّم، وعجز ملايين الأميركيين عن سداد أقساط عقاراتهم، وبطاقات الائتمان، ويجمع كل خبراء الاقتصاد أو غالبيتهم الساحقة على أن الفقاعات القادمة ستكون شاملة للعقارات، والصناعات، والتكنولوجيا والبنوك، وكافّة مناحي الحياة، و»الغرب» في أوروبا واليابان على نفس الطريق مهما تأخّرت لديهم الأزمات عن الأزمة الأميركية الخانقة.
في هذا الإطار، وعلى هذه الخلفية جاءت إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، وعلى نفس هذه الخلفية، وفي نفس هذا الإطار جاء العدوان على فنزويلا، وفي هذا السياق ضرب ترامب ضربته بعد يومين فقط على حلول السنة الجديدة، وبسبب مخاوفه من أزمة طاقة عالمية في حالة ارتفاع منسوب التوتّر مع كل من روسيا والصين، وبسبب مخاوفه، أيضاً، «المقرونة بخططه وأطماعه» للحرب في الشرق الأوسط، والتي يمكن أن تؤدّي من بين ما تؤدّي إليه إلى قطع توريد سلاسل النفط من هذا الإقليم، سارع لشنّ عملية القرصنة الخاطفة على كل العاصمة كاراكاس أوّلاً للوصول إلى حلّ يؤمّن له السيطرة على أكبر احتياطي للنفط في العالم، إضافةً إلى أطماعه بالاستحواذ على احتياطات هائلة من المعادن النادرة فيها.
إذا فشل ترامب في إقناع حكومة مادورو بالخضوع لرغباته يكون قد دخل في المجهول، وسيتعيّن عليه التدخّل العسكري، وهناك بانتظاره ما لا يقلّ عن 200,000 مسلّح في كاراكاس وحدها، وعليه أن يواجه حرب عصابات في كل فنزويلا، وعليه، أيضاً، أن يواجه تحالفاً «لاتينياً» جديداً من عدّة دول ستدعم حفاظاً على مصالحها الحرب «البوليفارية» الجديدة ضد العدو الشمالي المشترك.
هنا ستكون ورطته أشبه بالورطة الفيتنامية، ولن يكون أمامه سوى الدفع بالمزيد من القوات، والمزيد من حروب التدمير، والأمر لن يتوقّف عند أيّ حدّ.
الفشل في فنزويلا ستكلّفه أزمات جديدة من كلّ أنواع الأزمات الخانقة، وأغلب الظنّ أن أزمته في الشرق الأوسط تحديداً ستكون عنواناً كبيراً لدخول الدولة الأميركية في مرحلة الأُفول الإستراتيجي، ومرحلة انكفاء دورها العالمي، والعودة إلى حجم الجمهورية الأميركية، وانتهاء مرحلة الإمبراطورية إلى الأبد.
كل شيء سيعتمد على صمود إيران، وعلى وعي العربية السعودية لما يُحاك ضدّها، وعلى صلابة موقف حكومة الرئيس المختطف مادورو، وهذا ما سنأتي عليه في المقالات القادمة بالتفصيل والمعطيات والأرقام.
وترامب تجاوز مرحلة المغامرة، ودخل برجلَيه إلى مرحلة المقامرة، وهو يعتقد أن منفخته وعنجهيته كافيتان لإخافة العالم، ولإخضاع دول وشعوب الأرض.
وهو يعتقد أن روسيا إذا حسمت الحرب في أوكرانيا، والصين إذا استولت على تايوان، وأحكم هو سيطرته على الشرق الأوسط سيُصار إلى مؤتمر يالطا جديد، يتمّ بموجبه اقتسام وإعادة اقتسام العالم، وبذلك سيكون قد خرج ولو مؤقّتاً من أزماته المستعصية، خصوصاً أزمة الديون التي تقارب فعلياً الـ40 تريليون دولار. وهو يراهن على صفقات من هذا القبيل، وسنكتب في مقالات قادمة عن هذا الوهم الذي يُمنّي به نفسه.
لكن الأهمّ الذي يجب أن يُكتب هو: ما الذي سيحلّ بدولة الاحتلال إذا نجح ترامب، وإذا فشل، أيضاً؟ وهذا هو أهمّ ما يجب أن نتابع الكتابة عنه.

