الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:14 AM
الظهر 11:47 AM
العصر 2:35 PM
المغرب 5:00 PM
العشاء 6:20 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

اقتصاد ماشي الحال في زمن القلق العام

الكاتب: لما عواد

حين يسأل الفلسطيني عن يومه: "كيف كان؟"، يرد غالبًا بجملة قصيرة: ماشي الحال. هذه الإجابة الصغيرة تختصر واقعنا اليومي، حيث نستيقظ كل صباح على حسابات دقيقة: كم بقي في المحفظة؟ ما الذي يمكن تأجيله؟ أيّ الفواتير أكثر إلحاحًا؟ هذه الأسئلة لم تعد مجرد تفاصيل هامشية، بل جزء من الروتين اليومي، ومن القلق الجماعي الذي يرافقنا إلى العمل، إلى السوق، وإلى نهاية الشهر.

كل خطوة، وكل قرار اقتصادي صغير، يُدار في مطابخ البيوت، وعلى أبواب الدكاكين، وأمام الحواجز، وفي محاولات لا تنتهي لتدبير الممكن.

من هنا، لا تكون عبارة ماشي الحال مجرد رد تلقائي، بل وصف لما نعيشه يوميًا: محاولة لفهم كيف نحيا تحت ضغط دائم، وكيف نعيد تنظيم علاقتنا بالعمل، والاستهلاك، والإنتاج، في واقع الاحتلال ليبقي الاقتصاد هشًا، والخيارات محدودة، والمستقبل رهن الإرادة.

في السياق الفلسطيني، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، ولا فصل لقمة الخبز عن منظومة السيطرة. هنا، لا يعمل السوق وفق قواعد العرض والطلب فقط، بل وفق الحواجز، والتصاريح، والتحكم بالموارد، والقدرة على الوصول. لذلك، يصبح السؤال الاقتصادي سؤالًا وجوديًا: كيف نعيش؟ وكيف نستمر؟ وكيف نحافظ على كرامتنا رغم كل الضغوط؟

اقتصاد ماشي الحال لا يعني الاكتفاء الذاتي، ولا الانسحاب من العالم، بل إعادة تعريف الأولويات. أن نُدرك أن الاستهلاك ليس حياديًا، وأن كل شيقل يُنفق هو تصويت صامت: إما لتعزيز التبعية، أو لدعم دورة إنتاج محلية تحاول الصمود. هو وعيٌ بأن شراء منتج محلي، أو دعم مشروع صغير، أو حماية مهنة تقليدية، هو فعل سياسي بامتياز، حتى وإن بدا بسيطًا.

"الاقتصاد المقاوم" ليس شعارًا يُرفع في المواسم الصعبة هو – في جوهره – ممارسة يومية للحياة تحت القيد، ومحاولة مستمرة لتحويل البقاء إلى فعل واعٍ، لا مجرد ردّ فعل.

هذا الاقتصاد اليومي يظهر في كل مكان: امرأة تدير مشروعًا منزليًا رغم غياب التمويل، شاب يحوّل مهارة رقمية إلى مصدر دخل عابر للحدود، عائلة تُصرّ على الزراعة رغم شحّ المياه ومصادرة الأرض. هذه ليست قصص نجاح فردية، بل ملامح بنية اقتصادية تحاول أن تتنفس خارج القوالب المفروضة.

لكن، لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم عبء المقاومة الاقتصادية، ولا اختزال الصمود في مبادرات فردية معزولة. بل نحتاج إلى تظافر الجهود نحو تعزيز السياسات العامة الداعمة؛ سياسات حماية اجتماعية تقلّل هشاشة العائلات أمام الصدمات، ونماذج تنموية تُعيد الاعتبار للإنتاج، وتوفّر شروط عمل تحفظ الكرامة، والاستثمار في تمكين النساء والشباب بوصفهم طاقة اقتصادية حقيقية.

في زمن الإبادة البطيئة، يبقى تحقيق هذا التحول تحديًا مفتوحًا، لكن الصمود الاقتصادي يظل أحد خطوط الدفاع الأساسية عن المجتمع. ليس لأنه ينقذنا فورًا، بل لأنه يمنع الانهيار الكامل، ويُبقي المجتمع قادرًا على الاستمرار، وعلى حماية حدٍّ أدنى من الأمل، وعلى التمسك بالحق في الحلم رغم كل شيء.

فاقتصاد "ماشي الحال"، في النهاية، ليس اقتصاد الأرقام، بل اقتصاد الناس.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...