هل حقًا كان خطاب رئيس الوزراء الكندي مفصليًا وتاريخيًا؟
الكاتب: د.ياسر أبوبكر
ليس كل خطاب يُلقى في منتدى عالمي يستحق أن يُوصَف بالتاريخي، فالكثير من الخطب اللامعة تموت مع تصفيق القاعة. لكن خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس 2026 لا يمكن المرور عليه بوصفه حدثًا عابرًا ، لأنه لم يُضف فكرة جديدة إلى قاموس العلاقات الدولية بقدر ما أعلن، بوضوح غير معتاد، نهاية قاموس كامل. الخطاب لم يكن توصيفًا لأزمة، بل إعلان قطيعة مع وهمٍ سياسي طويل اسمه "النظام الدولي القائم على القواعد"، وهو الوهم الذي عاشت في ظله دول كثيرة، قوية وضعيفة، متذرعة به لتبرير العجز أو التواطؤ أو الانتظار.
جوهر الخطاب لا يكمن في لغته القوية ولا في استعاراته الذكية، بل في جرأته على تسمية الواقع كما هو: عالم تحكمه عودة تنافس القوى الكبرى، حيث تُستخدم التجارة والمال والطاقة وسلاسل التوريد كأسلحة ضغط، وحيث لم تعد القواعد تحمي أحدًا إلا بقدر ما يمتلك من قدرة ذاتية على الصمود.
حين يقول كارني إننا لسنا أمام "مرحلة انتقال" بل أمام "انهيار"، فهو لا يصف وضعًا دوليًا فحسب، بل يسحب الغطاء الأخلاقي عن خطاب دولي استمر في التظاهر بأن العدالة ممكنة دون قوة، وأن القيم يمكن أن تعيش بلا حوامل مادية.
الخطاب يصبح مفصليًا لأنه يفضح "العيش داخل الكذبة" ، تلك الحالة التي قبلت فيها دول كثيرة، خاصة المتوسطة، بلعب دور الملتزم بالقواعد مع علمها المسبق بأن هذه القواعد تُطبّق انتقائيًا. الاعتراف بهذا النفاق الجماعي هو بحد ذاته لحظة كسر، لأن أخطر ما في النظام الدولي السابق لم يكن ظُلمه، بل اعتياد الجميع عليه. من هنا، لا يدعو كارني إلى ثورة أخلاقية، بل إلى ثورة واقعية: أن تتوقف الدول عن التظاهر، وأن تبني قوتها الداخلية، وأن تنوّع علاقاتها، وأن تتعامل مع العالم كما هو لا كما تتمنى أن يكون.
ما يمنح الخطاب طابعًا تاريخيًا أعمق أنه لا يكتفي بالنقد، بل يقدّم نموذجًا عمليًا لما يسميه "الواقعية القائمة على القيم". لا حديث هنا عن أخلاق بلا تكلفة، ولا عن سيادة بلا اقتصاد منتج، ولا عن سياسة خارجية مستقلة بلا تقليل التعرض للابتزاز. الرسالة واضحة: القيم لا تُحمى بالخطابات، بل بالقدرة على تحمّل تبعاتها. ومن لا يملك هذه القدرة، سيتحوّل خطابه الأخلاقي إلى مجرد أداء سياسي جميل يخفي واقع التبعية.
عربيًا، يضعنا هذا الخطاب أمام مرآة قاسية. فنحن من أكثر من راهنوا على النظام الدولي القائم على القواعد، ومن أكثر من دفعوا ثمن انهياره. ما زالت كثير من الدول العربية تتصرف كأن المشكلة في "سوء التطبيق" لا في بنية النظام نفسه، وكأن العودة إلى خطاب القانون الدولي كافية لإنتاج حماية أو ردع. خطاب كارني، من حيث لا يقصد، يقول لنا إن هذا الرهان انتهى، وإن الاستمرار فيه ليس موقفًا مبدئيًا بل شكلًا من أشكال الهروب من مواجهة استحقاقات بناء القوة الذاتية.
أما فلسطينيًا، فإن الخطاب يلامس جوهر المأزق. نحن النموذج الأوضح لدولة وشعب عاشا طويلًا داخل كذبة القواعد الدولية، وانتظرا عدالة لم تأتِ، وحماية لم تُفَعَّل، ومؤسسات لم تنصف. الفرق أن كارني يدعو دولته إلى إزالة اللافتة من النافذة، بينما ما زال جزء معتبر من خطابنا متمسكًا بها، وكأن المشكلة في الزمن لا في الخيار. الدرس هنا ليس في استنساخ التجربة الكندية، بل في فهم منطقها: لا سياسة تحرر بلا تقليل للاعتماد، ولا خطاب حقوقي مؤثر بلا اقتصاد مقاوم، ولا صمود حقيقي بلا إعادة تعريف لمعنى القوة.
من هذه الزاوية، يصبح خطاب رئيس الوزراء الكندي مفصليًا وتاريخيًا ليس لأنه غيّر العالم، بل لأنه قال الحقيقة التي يتهرب منها كثيرون: النظام القديم لن يعود، والحنين إليه ليس استراتيجية.
السؤال الحقيقي الذي يتركه لنا الخطاب ليس إن كان تاريخيًا، بل إن كنا مستعدين نحن أيضًا للتوقف عن دفن رؤوسنا في الرمل، وأن نعترف بأن الصراحة، في عالم اليوم، لم تعد شجاعة خطابية فقط، بل شرطًا أوليًا للبقاء.

