الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:07 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 2:54 PM
المغرب 5:22 PM
العشاء 6:39 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ولهذا مات الشاعر! إلى صديقي عبدالناصر صالح

الكاتب: المتوكل طه

على قميصي نقطةُ مسْك من دَم الشهيد، ونرجسة عابقة تركها زميلي المعتقل في جيب سترتي، وعناق حميم استقبلني به البسطاء في البلدة، وحكاية خلّفها صديقي الشاعر في بالي، وهو الذي لم يتخاذل، ولم يُطأطئ قامةَ الشعراء، ولم يجعل الورق البريءَ ممسحةً لحذاء الجنرال.

 ولأسجّل مرافعتي أمام التاريخ الشاهد، للأرض الشهيدة النبيلة الذبيحة الجليلة، أمّ الشجن والنايات، وأمّ الدموع السخيّة والنعوش الطائرة، وأمّ الدالية التي تنفجر ناراً وقصائد..سأقول ملء الريح؛ لم تكن الدسائسُ وَحْدَها التي قتلت الشاعر، وأغفلت الديباجةَ والنصّ، بل ظلّ في العتمة البعيدة، وحيدا. وعلى بُعد مستوطنةٍ وأكثر، كان العرقُ البارد والألمُ والغيرةُ، وهوامشُ الصغار، ووجوهُ الرخام، والنسيانُ الذي دبّره المُتسيّدون، الذين كبروا تحت عباءة العَرْش المتهالك..هو ما فتّ في روحه فقتلها. وثمة الضاحكون البؤساء مع الدّلاء، الذين يتنفسون بالرّضا، مع كل فنجان يَقدّمونه للسادة المغلّفين بالأسرار.

وثمة تاجُ العار الفائض رطانةً وشهواتٍ مبرّرة حتى العري.

ولم تكن مرافعةُ الشاعر كافيةً، فطارت مع أول فَرْخٍ دَرَجَ على المصاطب..وغاب.

وظلّ يحفظ أحزَانه الصغيرةَ، ويجمّلها بالصّفاء المصقول بالاطمئنان،

وحتى قَّدّ أكثرَ من ألف رسالةٍ للرّعدِ والماء، ولم يتبق منها غيرُ ما شاءت النقوشُ الورقية الصافية، والعافيةُ التي لا تموت.

يكفيه ما يكفي المدينةَ من البقاء في مغرب الريحان الهاديء،

وصباح العنّاب الكَرميّ. ويكفيه أنّه اٌجترأ في معبد الأوثان، على الهراطقة والأوداج السمينة، والحروف المبريّة الباهتة. ويكفيه ما يكفي الصوفيّ من زُهْدٍ على شَبَعٍ، نال منه قليلاً، وبرّرَه كحفنةِ قمح لا يخالطها الزوان.

وأراه كأنه يقف على شُرفة المدينةِ، يُلقي خطاب الفَصْل في الجموع،

ولا أحد!

غير أنَّ الطالعين من أثواب أُمّهاتهم، سيكبرون، ويتنادون، ويصيخون السَمْع، فقصيدته طويلة ممتدّة..بل لا تنتهي، كشريانِ محيطٍ

يقاتل اليباب، ويزرعه بالأمل الأخضر.

الشاعر صديقي الأثير عبد الناصر صالح، الذي بدأنا التأتأة الأولى بالشِعر، سويّةً، وقرأنا معاً، وكانت الكتابة، وقتها، ضرورة..واعتُقلنا معا، وأسّسنا اتحاد الكُتّاب، مع أخوة رائعين، معا، واختلفنا واتفقنا، وغضبنا ورضينا، وسافرنا عشرات المرّات، وتزاعلنا وتعانقنا، لكنّه كان البادئ بالسلام. وما أن يجمعنا الأصدقاء لإزالة الغبش، كان يُعانق بمحبّة وصدق. إنه أكثرنا طيبة وتواضعا وبساطة ومباشرة. ولا أنسى يومَ أن كان الجنود ينقلوننا من معتقل، في الشمال إلى آخرٍ في الجنوب، مقيّدين، ومعصوبي العيون، كانوا ينهالون على رأسه بالهراوات، وما أن وصلنا السجن، حتى كان رأسه منتفخا مثل باذنجانة هائلة. وعندما انهالوا عليّ ضربا وتكسيرا..لم يقف معي إلا الله تعالى، وصوتُ الشاعر الذي حثّني على التماسك، وكان يقرأ لي من قصائدي حتى يعينني على اللحظة المصوّحة.

كان العمل الثقافي، حينها، له ثمن لا يقدر عليه المزيّفون، ولم يكن الفعل مجّانيّا، بل قيودا وسلاسل وملاحقة مبهظة..وقد دفعها الشاعر حرّا وجوديا، من دون سوء أو مماراة.

واليوم يرحل الشاعر، كأنّ المذبحة المدوّية في غزّة قد احتشدت في صدره، فانفجر قلبه. أو كأنه يريد أن يُشاطر الموتى تجربة الغياب، خجلا من الحياة تحت الشرط الاحتلاليّ القاهر.

رحل الشاعر، ورحيله المجازي، ذابحٌ، لأن تواصلنا معه كان يشحن الضلوع بالسطوع ومرايا النهار.  

أيتها بلادنا النبيلة الذبيحة الجليلة! ويا أمّ الدالية التي تنفجر حُمْرة وعناقيد ساخنة! لقد عانقوا وحْشَ المذبحة، قبل أن تترك الخيمةُ أليفها البائس، وقبل أن يجتمع مثلثُ القلب في صدر الطريق..فمات الشاعر من هول المعنى المقتول.

واجتمعوا فوق المنصّة الكارهة العنصرية النقيضة، فأدخلت السواطيرُ أسنانها في زيتون عظم الأرض..وصارت ريحُ الراية المنكّسةُ موسيقى السير المكابر نحو الهاوية..فلم يحتمل الشاعرُ عمق المصيدة التي جعلتنا طريدة سائغة..فمات.

وأضحى الصوف الدامي لا ينبيء بدم الطرقات والمغاور الرطبة،

بل يبشّر السيّدة بحَمْلها الكاذب الحرام..فطفق الشاعر يبحث عن الأوتار، ليعيدَ الأغنيةَ الأولى، فوجد الفم مصطليا باللهيب..فمات.

وأدرك العميلة الملوّثة التي سوّدت المنهاج والمساق، فصرخ؛ هنا: على رأس كلّ وليد أفعوان، لا يراه سوى الحرّ الحصيف. وسيكبر الأفعوان في جوف الوليد، ليلتفّ على عنقه أو عينيه، فيمشي على غير هدىً، أو يكون هباءً في عتمة العدم..ولم يستطع أن يبتلع سُمّ التبديل..فمات.

لقد جفّفوا المعصرةَ والبئر والوريد والّلحاء، حتى تناسخ الموشوّهون في كل خَلْق. وانسربوا إلى جُرح المُتْعة، ورشّوا عليه حامض الشيخوخة،

وغطّوه بجلد الجيفة المتغضّنة. وقطعوا رؤوسَ الجبال والنجوع، وصار سامرُ البلاد جنائزياً، يتصادى بالبشاعة والضيق والكآبة.

وتباهوا بأنْ تأبّطوا أبناءَ الوكر، بصباغ المهرّج الجديد.

وأقاموا مواسم جديدة بلا زجاج من بلاد كنعان، يزيّن إطار نوافذهم الخائفة. وربّما يختزنون وراء سيوفِ عبيدهم، أوكارا للتشويه، لبعث الذباب المغثي، ومنطق القبيلة الوثنيّ. 

ولعلّ الدهماء المساكين لن تسمعوا إلا المنابر المتاحة بكلماتها الزجاجية المشروخة، المعجونةً بِدَم العقارب التي تُغطّي وسائدَ الأحلام الخائبة.

لقد كذّبوا..حتى عاد النزوحُ الذليل، وانكسر الشجرُ أمام الخرافة الحارقة، وإلى أنْ عاد الخرابُ المرمّد على تلال ركام المدائن، التي كانت في الأغاني جدائلَ الأميرة العاشقة.

لقد سحبوا البرقَ الذي كان مختزناً في الغيوم، وجعلوه يبرق نياشينَ على صدورهم وأحذية نسائهم الغريرات.

وتاهَ الشاعرُ طفلُ المطر، الذي خلّفه الشهداءُ في أقواس قزح.

*

لكنّ الشاعر لم يفتر أو يملّ، فقد طفح بالزلزال، ورأى قبل الرّعاةِ النجمةَ التي أرهصت بالفادي الرسول. واستذكر المطاردين يحملون حنّون الوديان وهي تتثنّى على انسراب الجداول وأسراب الطيور، وتحرسها عيون الكهوف، وتحفّها يقظةُ الحديد الصاحي، لتصلَ إلى السواحل، بعد أن تحمل من البيوت قطوفَ الصحوة والانتماء، ويدفّ معها، بين الوعر، جارحُ السكون، بربابته التي تدرّ شَفَقا ًوبنفسجاً، وتسيل نخوةً وبرقا..ليخبر الناسَ عن أهوال ما جرى في النكبات المتواصلة، من خطايا وفظاعات، تقشعرّ لها الأوتاد والحديد.

*

يا لحنَ الفجيعة بالفردوس الذي هوى في الكابوس! لماذا تذكّرنا؟

ولم يتبق للضحيّة حقّ في البكاء؟ لقد أخذوا من الفلسطينيّ خيوطَ دموعه، ونسَجوها كفناً رقراقاً له، ليظلّ خارج الأبد.

والآن، جعلوه يخيط كفَنَه بيديه، وينحت ناووسَه بإزميله المثلوم،

ويتمدّد، وحده، تحت تراب الوجود الهائش، وإكراهات الوصاية النّهمة الجبّارة. لكنَّ الجذرَ الموّارَ  بالنسغ يبلغ حدَّ الاختراق، وتشرب الورقةُ غمامتَها وغزالتَها، فينْبتُ على شفةِ الشاعرِ عرقُ البدايةِ الناهض،

وتتوهّج على قوس الربابة هالةُ النار، ويتدحرجُ من الوتر جمرُ المواقد الآتية.

*

ما كان لكم، أن تهيلوا الترابَ على موجدة الأيتام، وتخلّصوا الضَّبع من فضيحة التمثيل بجثة الغزال، وأن تبعثروا ضفائرَ النّخلة على أقواس الإنهيار، وتحرموا السروةَ من الترنّح في فضاء الوضوح.

كانت المدينةُ معافاةً كحليب الأمهات، أو الزيتِ الطافحِ من الرَّحى،

أو كآيات الأنبياء الذين كذّبهم الناس، واستبدّ بهم التجّار، وَرَقَصت حول رؤوسهم المقطوعةِ الغانيات.

كانت المدينةُ ندّاهةً، تغري الفَرسَ، بفضّة الصّور والأساور،

وتحفظ للباكي حوضَ مائة العذب، ولا يضحك فيها اللاّهي بين الموائدِ، حتى يكون المشط سربَ نجومٍ هابطةٍ من السماء.

ولم تعرف المدينةُ مداهنةَ الدواوين، وجبروتَ العسس، وذكاءَ السارق،

ونطيحةَ اليأس، ووحلَ الخوّاضين في الِعرْض وبيت المال.

كانت تعرف حدودَ تاجها وأربابها ومدرّجاتها البحريّة، فلا يسيلُ السرُّ إلاّ على مجرى المركب، الواصل إلى أَعماق العرائس والبيّارات.

ولم يخدش وشاحَها الكهرمانيَ غيرُ حرفين بريئين لمنهوبةٍ ومجنون،

ولم يلوّث غصونَها زفيرُ المقصلة، أو بخارُ المعقوصين بالجحيم.

*

والشاعر سيّد الكلمة، كزهرة المجنونة، وقصيدته، بعينيها المرحتين، تضع التاجَ، وتذرعُ فضاءها المرتّب كحَبّ الرماّنةِ، تنتظر هديةَ مولدها، فتأتيها العروق الذّهبية وجواهِرُ الجَمال، في سياق، تلفّه أزهار الليمون الشتويّ.

وتصحو المدينة، وتخرج من سلاسلها..تهدأ قليلاً، ولم تنكّس رأسها..ويغلبها النوم، فيدهمها المدجّجون الملغومون بالعنصرية والوَهم، وينقضّون على مخيّمها..فتسأل نفسها؛ أين صاحب الصورة المعلّقة على الحيطان؟

وفي الصباح، تسألُ سادنَ الأمن: متى ستنافح عن عرضك؟

وتصرخُ المدينة: أريد ماءً وسقفا وأمْنا..فلا جواب.. فيموت الشاعرُ من هذا التخلّي، الذي قدّم المدينة للانتهاك، دون نأمة أو غضب واجب. فيما تدبّ الحرائقُ في المدينة المُستباحة، وفي رؤوس النازحين للمرة العاشرة.

*

لقد فاز التصفيقُ والغوغاءُ والمشبوهون! وها هي المدينةُ مطواعةً خاضعةً..بعد أن تورّطوا في نداء الضّبع، وتبعوهُ إلى أرضِ التسويات.

لقد بزغَ أمراءُ الدَّمَن، اٌلذين نفثوا الضبابَ والتردّد والاستلاب،

ففقدت المدينةُ رايةَ الأهل والخيمةَ ولواءَ الرمح الرُدينيّ.

وثمة هدايا تفيض بالزّعاف والشكّ، وتستدخل الطاعون،

وجعلت الكاهنَ يبحث عن قِبْلة أُخرى، والمعلمُ عن حرفٍ آخر، والمرأةُ عن إثمدٍ جديدٍ وثوبٍ يشبه المُحَجّلاتِ في العاصمة المتبخترة بين الطواويس فوق النجوم.

لقد غيّروا اللسانَ، فأصبح يلثغُ بأبجديةٍ غير تلك التي حمَت الكوشان والمفتاح من التغريب والاندثار.

وهل لنا أنْ نسأل: لماذا قتلوا صاحب العكّازة وحارسَ الغابةِ وفتى الساحل وابن البرتقالة، وكل الذين ماتوا واقفين؟ وبقي أولئك المختبئين في خمائر نسائهم، ويترفّعون عن البصل والزعتر البريّ والأرغول؟

وقبل المحرقة الرّعناء اللافحة المجنونة، كانت المدينةُ تشهد تعويماً للمصكوكات، وبعثرةً الهيولا، لتعودَ الخلّيةُ إلى حيادها الميّت.

وفي خفّة هذا الطيّش تتفكك منظومةُ الأمهات، وتنهار مباديءُ الشبكة، وتتهتّك اللياقةُ وتتآكل ياقتها، وتصير المدينةُ بلا قَوامٍ وثبات،

بل تتمايل دائخةً بين الموقوذتين، وهما تحزّان وتين بعضهما البعض، والأبناء يهرسون ملامحهم بالتنابز واللغة النهائية، ويهينون أصداغَ رمزهم بالنعال، ويغسلون يدي القاتل من دم اليمام، ويذهبون نحو الحيّ واللون واختلاف السّجدة، والتميّز بتقمّص المولغ بالأرحام واللّحم الطريّ، وينكرون على البستان وردتَه الواعدة، ولا يثقون بالصّلاة أو البدر الكامل. لقد انهزموا في دواخلهم، فانهزمت المدينة..ومات الشاعر.

وماتت جداولُ أضلاعهم، فجفّ نهرُ المدينة..ومات الشاعر.

وانطفأت جذوةُ روحهم، فانطفأت شمسُ المدينة..ومات الشاعر.

وقتلوا الحصان الصاهل في البلّور، فباتوا في العراء..ومات الشاعر.

لقد قبلوا أن يكونوا تحت مجهر المستبيح، وبين ذراعي الداهم،

وتحت ضربات الطواطم الفولاذي الرهيب..ومات الشاعر.

وكانوا قد فَقَدوا حصَاَنة الصوّان في سويدائهم، فأصبحوا كبيت العنكبوت، أو كغثاءِ المجرى الموبوء..ومات الشاعر.

هل تذكرون حكمته: لو كانت الغابة يقظةً لما وصلوا إلى المداخل.

ولو تبصّر الباشقُ الهائم، لما انسربت السحالي إلى المدينة.

ولو لم يكونوا مخمورين، لما عقرتهم المباغتة وجزّت رؤوسهم المصدوعة.

ولو انتمى الكاهنُ إلى مرضعته، لما فتح أبواب المذبح، مسلخاً،

ليرتوي بدم الأضاحي البريئة.

ولو أحسّ السيّدُ بالأيتام، والدمع المخضلّ يطفوا فوق وجوههم،

لما صافح يدَ الأفعى الشقراء.

ولو أحسّ صاحب الخبر بما جرى في بطون الحوامل، على حواجز العار، لما نطق بالشيطان.

ولو تشقّق لحمُ شقيقته، تحت سياط العنابر الغاصبة، لما تزيّا صاحبُ الديوان بالمخازي الأنيقة.

ولو تذكّر المقتولُ كيف حصده القاتل بمنساس القش، مغروزاً في صدره..لما نطق باسمه، معتذراً عن موته.

ولو تنطق الأرضُ لانشقت تحت أقدام أشباه رجال المدينة،

وابتعلتهم في باطنها الموّار الطاحن.

لكنها دمدمة الهزيمة، التي تحطّ بأرجلها السوداء، على الأرض المحروقة.

*

أيتها المدينةُ التي جرّحها الدمعُ، وأحرقتها الجثثُ والصرخاتُ!

هناك، على بُعد عشرة آلاف مجزرة، شبيهتُكِ التي مازالت في فضاء المقصلةِ، ترقب نهايتَها بأمل يائس..ولهذا لم يحتمل الشاعرُ المشهد فمات. غير أن صدره كان يُعشِبُ بالربيع، وينْبتُ بأزهار البُركان.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...