الاستدامة في فلسطين بين الممكن نظريًا والمُرهَق واقعًا
الكاتب: عاهد أبو بكر
أثار مقال "استحالة تحقيق الاستدامة في فلسطين في ظل الاحتلال الإسرائيلي" نقاشًا واسعًا، خصوصًا بين المتخصصين في مجالات الاستدامة والتنمية.
وهذا الجدل، بحد ذاته، صحي وضروري، لأنه كشف فجوة حقيقية بين الخطاب النظري للاستدامة والواقع الميداني الذي يعيشه الفلسطيني يوميًا.
من المهم هنا توضيح نقطة أساسية:
المقال لم يكن دعوة لليأس، ولا إنكارًا لجهود العاملين في مشاريع الاستدامة داخل فلسطين، بل كان محاولة لوضع مفهوم الاستدامة في سياقه الحقيقي تحت الاحتلال، بعيدًا عن التعميمات الجاهزة والمقاييس المستوردة.
الاستدامة، كما تُعرّفها الأدبيات الدولية، تقوم على التخطيط طويل الأمد، والاستقرار المؤسسي، والسيادة على الموارد، والقدرة على اتخاذ القرار. وهي، في جوهرها، عملية تراكمية تتطلب بيئة يمكن التنبؤ بها، وسلاسل إمداد مستقرة، وبنية تحتية محمية من الانقطاع القسري.
وهنا تكمن الإشكالية الفلسطينية:
كيف يمكن تطبيق نموذج استدامة كلاسيكي في بيئة تُقصف فيها البنية التحتية، وتُجزّأ فيها الجغرافيا، وتُقيَّد فيها الحركة، وتُحتجز فيها الموارد؟
كيف يمكن الحديث عن تخطيط لعشرين عامًا، بينما يُعاد بناء شبكات مياه وكهرباء مرارًا خلال سنوات قليلة؟
وكيف يمكن قياس الاستدامة بمعايير دول مستقرة، في حين يُقدَّر أن مليارات الدولارات تُفقد دوريًا نتيجة التدمير وإعادة الإعمار المتكرر؟
القول إن الاستدامة “صعبة” في فلسطين لا يكفي.
هي ممكنة جزئيًا، ومُجهِدة، وهشّة، ومهددة في كل لحظة.
أي مشروع مستدام يمكن أن يُبنى اليوم، قد يُهدم غدًا، ليس بسبب فشل تقني، بل بسبب واقع سياسي مفروض بالقوة.
وهذا ما حاول المقال السابق تسليط الضوء عليه:
أن المشكلة ليست في المفهوم، بل في البيئة التي يُراد له أن يعمل داخلها.
لقد أثبت الفلسطينيون قدرتهم على الابتكار تحت القيد:
من أنظمة الطاقة الشمسية المحلية،
إلى حلول إعادة استخدام المياه،
إلى مبادرات الزراعة الحضرية والصمود المجتمعي.
هذه النماذج ليست وهمًا، بل إنجازات حقيقية.
لكنها، في معظمها، حلول تكيفية قصيرة ومتوسطة المدى، يمكن تسميتها بـ “الاستدامة التكيّفية تحت القيد” - أي استدامة تُبقي المجتمع قادرًا على الاستمرار، لكنها لا تملك شروط التحول البنيوي طويل الأمد.
هي تكتيكية أكثر منها استراتيجية،
تُبقي الحياة ممكنة، لا التنمية مستقرة.
الخلط بين نقد الإطار العام للاستدامة، وبين التقليل من قيمة الجهود الميدانية، هو خلط غير دقيق.
النقد موجّه للخطاب الدولي الذي يتعامل مع فلسطين كحالة "تنموية عادية"، ويتجاهل أن الاحتلال ليس عاملًا جانبيًا، بل العامل المحدِّد لكل شيء: من إدارة الموارد الطبيعية، إلى حركة البضائع، إلى التحكم في المجال الجغرافي والاقتصادي.
من هنا، فإن الحديث عن استدامة فلسطينية حقيقية لا يمكن أن ينفصل عن سؤال العدالة والسيادة.
ليس لأن الاستدامة مستحيلة،
بل لأن تحويلها إلى حالة مستقرة يتطلب شروطًا لا يملكها الفلسطيني حتى الآن.
الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني التوقف عن العمل، بل إعادة تعريف أولوياته.
ففي بيئة غير مستقرة، تصبح المرونة المؤسسية، واللامركزية في الطاقة والمياه، وتصميم البنية التحتية القابلة لإعادة التشغيل السريع، أدوات بقاء لا كماليات هندسية.
وتصبح إدارة المخاطر جزءًا من التخطيط التنموي، لا ملحقًا به.
أي نقاش مهني صادق يجب أن يعترف بهذه الحقيقة دون تجميل أو إنكار:
الاستدامة في فلسطين ليست مجرد مشروع بيئي أو اقتصادي، بل مسألة سيادية وأخلاقية في آنٍ معًا.
إن الهدف من المقال السابق، ومن هذا التوضيح، ليس إغلاق باب العمل،
بل منع تبسيط المعاناة،
ووضع الجهد المهني في مكانه الصحيح:
جهد نبيل، ضروري، لكنه يعمل في بيئة غير طبيعية،
ولا يجوز محاسبته بمعايير دولٍ تملك قرارها وسيادتها.
الاستدامة في فلسطين ليست حلمًا مستحيلًا،
لكنها أيضًا ليست شعارًا يمكن ترديده دون الاعتراف بثمنه الباهظ.
هي معركة يومية بين الممكن والمفروض،
بين المعرفة الهندسية والواقع السياسي،
وبين إرادة الحياة وقيود الاحتلال.
بقلم: عاهد أبو بكر – مهندس مختص في إدارة الطوارئ والحد من مخاطر الكوارث.

