تأهيل الشباب ... من النظرة النمطية إلى بناء المشروع الوطني.
الكاتب: م.عاهد أبو بكر
في فلسطين، لا تكمن أزمة الشباب في نقص الطاقات أو غياب الكفاءات، بل في غياب المسار الواضح الذي يحوّل هذه الطاقات إلى قوة فاعلة في مشروع وطني جامع. فالشباب الفلسطيني متعلّم، طموح، ومليء بالأفكار، لكنه غالبًا ما يقف في منطقة رمادية بين البطالة والانتظار، أو في وظائف تؤمّن الدخل لكنها تُقيّد التطور ولا تفتح أفقًا حقيقيًا للنمو.
ولا تقتصر المشكلة على قلّة فرص العمل فحسب، بل تمتد أحيانًا إلى طبيعة بعض الوظائف نفسها، تلك التي تحصر الشاب في مهام روتينية ضيقة، وتقيس أداءه بعدد الساعات لا بقيمة الإنجاز، وتمنعه من التعلّم والمبادرة وصناعة القرار. وهكذا، يتحوّل الاستقرار الوظيفي من فرصة يُفترض أن تكون نقطة انطلاق، إلى سقف منخفض يحدّ الطموح بدل أن يرفعه.
التحدي الحقيقي، إذًا، ليس في خلق وظائف تقليدية إضافية فقط، بل في إعادة تعريف دور الشباب في المجتمع وسوق العمل. فالشاب الفلسطيني لا يحتاج وظيفة مؤقتة بقدر ما يحتاج مسارًا مهنيًا يشعره أنه يتقدّم، وأن خبرته تتراكم، وأن جهده اليومي ليس مجرد وسيلة للبقاء، بل مساهمة واعية في بناء وطن.
من منظور إداري وتنموي، فإن الاستثمار في تأهيل الشباب ضمن مشاريع وطنية هادفة يُعدّ أحد أكثر الخيارات فاعلية وأقلها كلفة على المدى البعيد. والمشاريع الوطنية هنا لا تعني بالضرورة مشاريع سياسية، بل مشاريع خدمية، تقنية، ومجتمعية، تُدار بعقلية احترافية، وتمنح الشباب مساحة حقيقية للتعلّم، والتجربة، وتحمل المسؤولية.
وقد أثبتت التجارب أن منح الشباب إمكانيات وصلاحيات حتى وإن كانت بسيطة ؛ يُحدث فرقًا حقيقيًا في الأداء والانتماء. فعندما يُمنح الشاب مساحة لإدارة مهمة، أو متابعة مشروع، أو اتخاذ قرار جزئي، يتحوّل من منفّذ إلى مسؤول، ومن متلقٍّ إلى شريك. فالشباب قادرون على الإدارة والمتابعة والعطاء، لا لأنهم أقل خبرة، بل لأنهم أكثر مرونة، وأسرع تعلّمًا، وأكثر استعدادًا لتحمّل المسؤولية حين يُوثق بهم.
غير أن المشكلة تتجدد حين تكتفي كثير من برامج "تمكين الشباب" بالدورات النظرية والشعارات العامة، دون أن تُترجم هذه الجهود إلى خبرة عملية أو مسار مهني متصاعد. فيتخرج الشاب أكثر وعيًا وإدراكًا، محمّلًا بالمعلومات النظرية والتصورات الكبيرة، لكنه يصطدم بواقع لا يستوعب هذا الوعي ولا يفسح له مجالًا للتجربة والتطبيق. وهنا يتحوّل الوعي، بدل أن يكون دافعًا، إلى عبءٍ نفسي وإحباطٍ صامت، حين لا يجد الشاب مساحة عملية تحتضن عقله وإمكانياته وطموحه، فيبقى محاصرًا بين وظيفة محدودة الأفق أو انتظار فرصة قد لا تأتي.
المطلوب اليوم هو نقل الشباب من موقع الموظف المنفّذ إلى موقع الشريك البنّاء. أن يُدمجوا في مشاريع وطنية حقيقية منذ مراحلها الأولى، يتعلمون من الميدان لا من القاعة فقط، ويُمنحوا مسؤوليات تدريجية تُنمّي لديهم التفكير النقدي والانضباط والعمل الجماعي، وهي مهارات لا تصنعها الوظيفة الجامدة مهما طال أمدها.
لقد أثبتت التجارب أن الشباب، حين يُمنحوا الثقة والإطار الصحيح، قادرون على قيادة مبادرات ناجحة حتى في ظل شحّ الإمكانيات. لكن ذلك يتطلب إدارة واعية تعرف كيف تحوّل الوظيفة من قيد إلى منصة، والعمل من تكرار إلى تطور، والطموح من فكرة إلى أثر ملموس في المجتمع.
إن تأهيل الشباب ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع المدني. شراكة هدفها أن لا يبقى الشاب الفلسطيني أسير وظيفة لا تُنمّيه، ولا رهينة انتظار لا ينتهي.
في ظل التحديات التي نعيشها، قد لا نملك التحكم بكل الظروف، لكننا نملك خيارًا حاسمًا: إما أن نُبقي الشباب داخل قوالب ضيقة، أو أن نفتح أمامهم مسارات وطنية يبنون فيها، ويتعلمون، ويقودون.
فالشباب ليسوا عبئًا على الوطن، ولا الوظيفة هي نهاية الطريق، بل الإنسان المؤهَّل هو المشروع الوطني الأهم، وأي تنمية لا تضع تطوره في مركزها ستبقى ناقصة مهما حسنت نواياها.

