الانضباط الذاتي والناس!
الكاتب: بكر أبوبكر
في التنظيمات عامة ومنها السياسية خاصة يعتبر الانضباط والالتزام من أهم القواعد المتوخى تطبيقها، إلا أن معظم المشاكل تنطلق من هذه القيمة أو المبدأ. وسبب ذلك مرجعه اختلاف الأفهام والمنابت والأهداف والشخصيات، وعدم استيعاب واستقرار منطلقات التنظيم بالأعضاء، وضعف المرجعية الموحدة والصلبة، ولسبب عشوائية الجذب للتنظيم الثوري، والبُعد بين القيادة والقاعدة، واختلاف النظرية عن التطبيق، والسلوكيات عن المبادئ، واختلاف الفعل عن القول، ونظرًا لضعف التنمية الذاتية من جهة، ولفقدان التنظيمات السياسية مفهوم التنمية والدعم والبناء والتدريب للأعضاء والكوادر، أو ما يسمونه "التربية أو التعبئة التنظيمية" فإنك لذلك لن تستطيع فرض الانضباط بمفهوم التنظيم السياسي.
المقصود بالانضباط والالتزام المطلوب داخل التنظيم السياسي هو الانصياع للقواعد واللوائح والقرارات وفي آلية تبادلية من الأعلى الأسفل والعكس، وبما يمكن الأفراد من الحوار والنقد ضمن الأطر (فإن لم تكن موجودة او غير مبالية او ضعيفة فكيف الحل؟!).
أنت لن تجد عضوًا في تنظيم (منظمة/مؤسسة) سياسية أو مجتمعية أو رياضية او ثقافية أو اقتصادية أو حكومية أو تطوعية أو حتى مؤسسة (شركة) إلا ويحدثك عن الانضباط والالتزام صعودًا او هبوطًا، لتجد نفسك بمواجهة مع المتطلبات والذات والمؤسسة والمحيط كمؤثرات في كل من الانضباط والالتزام.
المفهوم المعتبر للانضباط هو مع الذات ومنه 1-الانضباط العقلي (تركيز، استيعاب، حضور حيث وجب، ومقاومة للفكر الفاسد، تخطيط وقرار) و2-الانضباط العاطفي (التحكم بالمشاعر ورد الفعل، والهدوء وتحمل الضغط...) ومنه عدم الاغراق بالعاطفة من محبة او بغضاء او سيول عاطفية جياشة جارفة بلا تمييز أو بتدفق لا يمكن ردعه ما يضر ولا ينفع وإن ظن المتعاطف أنه يدعم من جهة وأنه فرّج عن نفسة ونفّس قليلا، و3-الانضباط السلوكي بمعنى تنفيذ الخطط، والوفاء بالالتزامات وهي الانشطة المقررة ، وتحقيق الأهداف...وتنفيذها بأحسن ما يكون.
ويكون الانضباط (ضمن المنظمات/المؤسسات/الجماعات...) للقوانين واللوائح وللقيم والمبادئ، ولو بالحد المقبول مع فهم الفروقات بين الحدود العليا وتلك الدنيا حيث الحرية متاحة. (أنتظر كتابنا القادم المعنون: الهوية الوطنية وميزان الانتماء والالتزام ).
كما يفهم الالتزام داخل المؤسسات العسكرية أو القتالية بشكل مختلف كليًا عنه في المنظمات الأخرى والتي منها السياسية ففي الأولى انضباط صارم بكل شيء ومساحة أقل للحرية بينما بالمنظمات السياسية (والمجتمعية والنقابية والحقوقية، وغير الحكومية...) تجد الأمر مختلفًا بغض النظر عن نوع التنظيم السياسي أكان مفكرنًا (مؤدلجًا) أم حرياتيًا أو كان ديمقراطيًا أو مركزيا (أو مستبدًا) بجميع الأحوال فلا مناص من تحقيق الانضباط بغض النظر عن الشكل أو حدوده لكل تنظيم وما هو بالتنظيمات الفكرانية (الدينية وغيرها...) أكثر صرامة لحد تقديس الأفكار الانسانية أحيانًا.
في حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح يقع الانضباط والالتزام-وان لم يطبق في مراحل عديدة وأطر كثيرة-ليس فقط بما ذكرناه من الانضباط الذاتي والنظامي وفي الحياة التنظيمية، وإنما ينطبق على التعامل مع الجماهير واحترامها وتقديرها ومحبتها والتعلم منها إنه قمة التوازن بالعلاقة، وقمة الانضباط للفكرة والقضية بطريقة التعامل مع الناس الذين هم، والوطن حقيقة الرعاية والهدف المطلوب تحقيقه.
ومما تذكره الحركة في بند الانضباط من قواعد المسلكية الثورية في المجال التنظيمي "إن هذا الانضباط، هو الذي يفرق بين الأعضاء الملتزمين بالحركة وغير الملتزمين بها، كما ان درجة الانضباط تحدد درجة الالتزام الثوري لدى العضو، والذي على أساسه، تستطيع الحركة أن تفرز الأعضاء الأكثر التزاما ليتحملوا مسؤوليات الكوادر والقيادات"، وتضيف "ويحتم الانضباط على الأعضاء أن يحترموا الأطر التنظيمية فلا يتخطونها، سواء بالاتصال بالأطر الأدنى أو الأعلى متخطّين المسؤولين عن هذه الأطر." وبالطبع نحن نعاني من العكس كما ذكرنا بالبداية سواء في حركة فتح أو غيرها (كافة الفصائل) ونظرًا لاختلاف النظر للمفهوم في ظل طغيان وسائط التواصل الاجتماعي وضعف الحواضن الحركية.
إن الالتزام بالفكرة والقضية والمبدأ والقيم تكرّس وتخصيص ومداومة ومثابرة وعكوف على تحقيقه بينما الانضباط الذاتي (والتنظيمي للقواعد) آلية يومية مع الذات للعقل والعاطفة والسلوك لتحقيق الالتزام بالقضية والتوازن بين المتطلبات المتقاطعة او المتباينة، والوصول بها لخط النهاية حيث النصر بالتحرير وإشراق شمس فلسطين المضيئة على أهل فلسطين.
يقول المولى عز وجل ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148] والوجهة هنا المنهج والمسلك أو الخطة، أو الطاعة مقابل المعصية، لذلك يطرح المولى ضرورة العمل والمبادرة بفعل الخيرات أساسًا، بل وتسابقوا بهذا الفعل (استبقوا) فمجال المنافسة ليس بالمركز أو التباهي أو التسلط على الآخرين وإنما بتهذيب الذات وتطويعها لفعل الأمور الصحيحة والبداية من عندي وعندك.
يمكننا دوما الاستفادة من تجارب غيرنا بتحقيق انضباطنا الخاص أو الذاتي لأنه بالحقيقة منطلق الانضباط للمحيط او الحاضنة أكانت مؤسسة الأسرة أو الجامعة او المدرسة او مكان العمل او النادي الرياضي اوالتنظيم السياسي، وبجميع الأحوال كما نقول فإن البداية من عندي أي من الذات فأنا المقصود بهذا الانضباط ثم التوازن فلا اكون عبثيًا فوضويًا منفلتًا ولا أنظر حولي وإنما أطلق نظري ونقدي للآخرين متناسيًا حقيقة أن البداية للتنمية والبناء والتطوير هي بالذات، والله الموفق.

