الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:18 AM
الظهر 11:46 AM
العصر 3:14 PM
المغرب 5:58 PM
العشاء 7:13 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين يتغير الخطاب في الجزيرة: كيف تعيد القناة صياغة الحرب وفق الجغرافيا السياسية؟

الكاتب: مريم شومان

في زمن تتدفق فيه الأخبار بلا انقطاع، لم تعد المعركة على الأرض وحدها هي ما يحدد النتائج، بل أصبحت السردية الإعلامية شريكًا أصيلًا في رسم ملامح الوعي العام، ومن جديد؛ تبرز قناة الجزيرة كنموذج يستحق التوقف عنده، ليس بوصفها مجرد ناقل للأحداث، بل كفاعل مؤثر في تشكيل فهم الجمهور للصراعات خاصة في القضية الفلسطينية.

على مدار أكثر من عقدين، نجحت الجزيرة في بناء حضور إعلامي قوي، مستفيدة من خطاب قريب من الشارع العربي، ومشحون بالعاطفة، ومشبّع بمفردات الكرامة والمقاومة، لكن هذا الخطاب عند إخضاعه للمقارنة بين محطات مختلفة يكشف عن تحولات لافتة، خصوصًا عند المقارنة بين تغطية الحرب في غزة، وبين تغطيات أخرى تمسّ نطاقًا جغرافيًا مختلفًا أو مصالح إقليمية حساسة.

في تغطية غزة، تتكثف اللغة، وتتسارع الإيقاعات البصرية، وتُستدعى نخبة من المحللين الذين يذهب كثير منهم نحو رفع منسوب التوقعات، وتوسيع صورة الفعل المقاوم ليبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى نموذج جيش نظامي مكتمل الأدوات، هذا التقديم لا يقتصر على نقل الوقائع بل يتجاوزها إلى بناء رمزية تتضخم بمرور الوقت، حيث تتحول "المقاومة"  من مفهوم متعدد الأوجه إلى صورة شبه حصرية مرتبطة بفصيل بعينه – أقصد هنا حماس-  ما يختزل مشهدًا فلسطينيا معقدا في إطار ضيق.

هذا الاختزال، وإن كان يبدو في ظاهره دعمًا إلا أنه يحمل تبعات عميقة على مستوى الوعي الجمعي، إذ يساهم في إعادة تشكيل إدراك الجمهور لطبيعة الصراع ويعزز حالة من الاستقطاب، ويغيّب أطرافًا أخرى داخل النسيج الفلسطيني ما ينعكس بدوره على وحدة القضية ومساراتها السياسية.

في المقابل، وعند متابعة تغطيات أخرى تمسّ مناطق مختلفة أو تهديدات مباشرة لدول أخرى تتبدل النبرة بشكل ملحوظ، إذ تميل اللغة إلى التهدئة، ويغلب على الخطاب طابع التحذير والدعوة إلى الاستقرار، مع تركيز واضح على سلامة المدنيين ورفض التصعيد. هنا، تصبح الأولوية لاحتواء الأزمة، لا لتوسيعها، ولتقليل الخسائر لا لتضخيم الرمزية.

هذا التباين لا يمكن قراءته فقط بوصفه اختلافا في طبيعة الأحداث، بل يعكس أيضا كيفية توظيف الأدوات الإعلامية وفق سياقات محددة، فاختيار المحللين والضيوف، وطبيعة الأسئلة، وترتيب الأخبار، حتى التفاصيل البصرية، كلها عناصر تساهم في إنتاج سردية قد تبدو في ظاهرها موضوعية، لكنها تحمل في عمقها رسائل موجهة بعناية.

الإشكالية لا تكمن في دعم القضية الفلسطينية، فذلك موقف إنساني وأخلاقي مشروع وواجب وطني، بل في الكيفية التي يقدم بها هذا الدعم، حين يتحول الخطاب الإعلامي إلى أداة تعبئة مستمرة دون مساحة كافية للنقد أو المراجعة، فإنه قد يدفع بالجمهور نحو تبنّي تصورات غير واقعية عن موازين القوى، أو عن كلفة الصراع، أو عن الخيارات الممكنة.

ومع تعقّد المشهد بعد أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاها من دمار واسع في قطاع غزة وخسائر بشرية هائلة، يصبح من الضروري إعادة النظر في دور الإعلام في هذه اللحظات المفصلية، ليس من باب الاتهام، بل من زاوية المساءلة المهنية: هل ساهم الخطاب في تقريب الفهم، أم في تعميق الانقسام؟ هل نقل الواقع كما هو، أم أعاد تشكطيله بما يخدم سردية بعينها؟

إنّ قراءة أداء الجزيرة في هذا السياق لا ينبغي أن تُفهم كاستهداف لدولة أو موقف سياسي، بل كدعوة لفحص تأثير الإعلام حين يمتلك هذا القدر من النفوذ، فالقضية الفلسطينية بما تحمله من تعقيد وعدالة تاريخية، تحتاج إلى خطاب يعكس تعدديتها ويوازن بين التعاطف والعقلانية، ويضع مصلحة الإنسان الفلسطيني في قلب الصورة، بعيدًا عن أي اختزال أو توظيف.

إذ إن الكلمة تبقى أداة قوة، لكن قوتها الحقيقية لا تكمن في قدرتها على الحشد فقط، بل في قدرتها على الإضاءة دون أن تحجب ما عداها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...