كلمة المسيح وسيف جنكيزخان
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
من الظلم المقارنة بين المسيح وجنكيزخان، فالمسيح كان يُحيي الموتى بأمر ربه، فيما كان جنكيزخان يقتل الناس لوهم وقر في نفسه أنه ينتمي إلى القبيلة الذهبية، كل الطغاة في العالم، وعلى مر التاريخ، اعتقدوا أنهم ينتمون إلى جنس أعلى، ولأن من الظلم المقارنة، أو لنقل أن من الجنون المقارنة بينهما، فالمسيح لم يأتِ إلى العالم بسيف، ولكنه غيّر العالم وغيّر الامبراطوريات وأسس لعمارة هائلة من الرؤى الروحية والفكرية والفنية، فأولئك الذين نفّذوا عملية الصلب – حسب المفهوم المسيحي – لم تمضِ سوى عدّة مئات من السنين حتى كان أحفادهم يؤمنون بما جاء به المسيح، أما أحفاد جنكيزخان فلم تمضِ عدّة عشرات من السنين حتى آمنوا بدين من ذبحوهم في بغداد.
كلمة المسح أزهرت وامّتدت وتحوّلت إلى مالا نهاية له من الاجتهادات والرؤى، فيما سيف جنكيزخان لم يستطع أن يصمد أمام الثقافة والسلوك الرفيع والإيمان المنسجم مع الكون والإنسان.
جنكيز خان هذا، قيل إنه كان يضع طوقاً فضياً على رقبته منقوشٌ عليه "روستي كوستي"، أو الحق هو القوة، ولكنه كان يُعاند في ذلك منطق الدنيا وسنّة الله في خلقه، أراد الله له أن يسقط عن جواده بين جنوده في لحظة من لحظات انتصاره، اختطفه الموت من على جواده بين الآلاف من جنوده، كانت ميتة فعلية ورمزية لنهاية القوة والغطرسة والعنجهية، حتى جثة الرجل لم يُعرف مكانها، فقد دّفن بطريقة غامضة لأسباب مختلفة، وكأن ذلك رسالة أُخرى تقول إن السيف لا يمكن أن يكتب المصائر، أما ميلاد المسيح وموته وانبعاثه – حسب المفهوم المسيحي – فهو تلخيص وتكثيف للقدرة الإلهية في تقديم البراهين للبشر على إحاطة الله ورحمته بالناس.
حقاً، من الظلم المقارنة بين المسيح وبين جنكيزخان على كل المستويات، فلماذا يتم الآن استحضار ذلك والاتّكاء عليه لتبرير القتل والظلم؟
إن الانحياز إلى سيف جنكيزخان واعتباره الفيصل في صنع التاريخ وإقامة الدول، هو إعلان عن الإفلاس الأخلاقي والفكري والديني، هو التخلي عن القيم تماماً واعتناق فكرة التميّز والتعالي بديلاً عنها، لا يمكن هدم القيم الإنسانية من أجل أوهام سرعان ما تتبخر، لا يمكن محاربة الناس وظلمهم لمجرد ظنّكَ بأنك أفضل وأنك أحق وأنك مختلف، جنكيزخان كان ظالماً وتوسعياً واستعلائياً وقوياً جداً، ولكنه في نهاية الأمر لم يستطع أن يبني دولة ولم يستطع أن يُورّث أفكاره البغيضة لأحفاده، يمكن القول أيضاً إن رغبته في التوسع من أواسط آسيا إلى شمالها وغربها لم يكن
لشيء إلا لفائض القوة التي كان يمتلكها، ولكنه لم يُعطِ شيئاً للشعوب التي دمّرها أو التي احتلها، السيف أعمى وغبي ومُدّعٍ دائماً، ولأنه لا يملك شيئاً سوى الوهم، فمصيره أن يَقتل نفسه أو أن يتحوّل إلى سيف من قصدير.
المفاضلة أو المقارنة بين المسيح وجنكيزخان هي مفاضلة تقود إلى المهالك وتُعزز الوهم أكثر فأكثر، وهي على المدى الطويل والقصير، محاولة بائسة لتبرير القتل والظلم، وتغذية فاشلة للأوهام، أما المسيح، الذي أُرسل للناس رحمة من عند الله، فهو الذي تُبنى له في الصدور وفي مراكز المدن أجمل العمائر، لا يمكن المفاضلة بين الخير والشر على الإطلاق.

