الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:13 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:32 PM
العشاء 8:57 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

المؤتمر الثامن لحركة فتح: أسئلة ملحة في زمن الانهيار الوطني

الكاتب: د. حسن أبولبده

ملخص
يُقدّم هذا المقال تحليلاً نقدياً للمؤتمر الثامن لحركة فتح الذي يُعقد في أربع ساحات، وسط أزمة وجودية غير مسبوقة تواجه الحركة والقضية الفلسطينية.  يستعرض السياق الخطير المتمثل في استمرار حرب الإبادة على غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وأزمة السلطة المالية والإدارية، فضلاً عن الترهل الداخلي لحركة فتح، وآلية اختيار الأعضاء المثيرة للجدل. يطرح المقال أسئلة جوهرية حول غاية المؤتمر ووظيفته المنتظرة، ويبرز المواضيع الغائبة عن جدول أعماله، كإحياء منظمة التحرير وبرنامج الصمود الاقتصادي والانتخابات العامة. ويخلص إلى ضرورة التمييز بين الوظيفة الحالية للحركة ووظيفتها المنتظرة كقائدة لمشروع تحرري متجدد، محذراً من أن الفرصة للتحول التاريخي قد لا تتكرر.


مقدمة
في ورقتها المهمة «فتح بين الثورة والسلطة: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للحركة»، تقدم الدكتورة غانية ملحيس تشخيصاً عميقاً لأزمة الحركة باعتبارها انتقالاً مشوهاً من منطق الثورة إلى منطق السلطة منذ أوسلو، داعية إلى إعادة تعريف الوظيفة التاريخية عوضا عن الاكتفاء بالتجديد التنظيمي الشكلي. وتتقاطع هذه الأفكار مع آراء عدد من المفكرين والكتاب، والتي بمجموعها تؤكد أن الأزمة ليست في الأشخاص أو الإجراءات فحسب، بل في البنية التاريخية والوظيفية. هذه الجهود الفكرية بالغة الأهمية، لأنها تفتح الباب أمام نقاش معمق وتاريخي يتجاوز السطحيات، وتضع أمام المؤتمر الثامن مرآة تعكس الواقع عوضا عن تزيينه.

 

السياق الوطني والإقليمي والدولي لعقد المؤتمر

يُعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في أربع ساحات (رام الله الرئيسية، غزة، مصر، لبنان)، بدون ساحة الأردن، وبمشاركة نحو 2,600 عضو، في ظل ظروف تُعد من أخطر ما واجهته حركة فتح تحديداً والحركة الوطنية والقضية الفلسطينية بشكل عام. 

فحرب الإبادة على غزة مستمرة رغم وقف متقطع لإطلاق النار، ويستمر الفتك بشعبنا الغزي قتلاً وتهجيراً وتجويعاً حتى الموت، بالتزامن مع إبادة مكانية وعمرانية شاملة على مساحة 65% من القطاع، واستمرار الحصار بكافة أشكاله.
في هذه الأثناء، يتفاقم التوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين وتنكيلهم بشعبنا الأعزل في الضفة الغربية، تحت بصر وحماية وتشجيع جيش الاحتلال، ولم يعد المواطنون آمنون في بيوتهم وأراضيهم، إضافة لمصادرة آلاف الدونمات بحجج مختلفة في كافة المناطق، غير آبهين بالتقسيمات الأوسلوية (أ، ب، ج). 

تفاقمت أزمة السلطة الفلسطينية المالية والإدارية، نتيجة لفرض حكومة اليمين المتطرف حصاراً مالياً ممنهجاً عليها، يتجلى بقرصنة 80% من أموال المقاصة، وتراجعاً حاداً في الدعم المالي الإقليمي والدولي، وعدم قدرتها على إنفاذ إصلاحات تشريعية وإدارية ومالية، قادرة على ترشيق القطاع العام وتخفيف فاتورة الرواتب. وقد فاقم تخلي معظم الدول العربية عنها سياسياً واقتصادياً وعدم وفائها بالتزاماتها المالية، أزمة وجودية للسلطة، ناهيك عن فداحة الأثر المباشر مالياً وسياسياً للحروب الإقليمية والعدوان الإسرائيلي الأمريكي على عدة دول في المنطقة، وتحديداً ما يُسمى محور الممانعة الذي تقوده إيران (غزة، لبنان، اليمن، العراق)، واستثمار حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية في ما يشبه الاستكانة الدولية والأممية للإرادة الصهيو-أمريكية. ولا يفوتني الإشارة إلى البيئة الدولية غير المواتية، المشغولة باستقطابات عالمية، ساهمت في تراجع استراتيجي في مجال الاهتمام بالقضية الفلسطينية.

 

التحديات الداخلية لحركة فتح

وسط كل هذه التطورات وخلط الأوراق الفادح إقليمياً ودولياً، يُعقد المؤتمر الثامن للحركة في ظل استقطابات محلية مختلفة الاتجاهات، وغياب الشراكة الوطنية بين الفاعلين الأساسيين، والتمويت السريري المقصود لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها البيت الجامع للمصالح الوطنية، وتعمق الانقسام إلى غير رجعة بين قطبي الحركة الوطنية، والترهل العدمي في مفاصل الحركة الوطنية، على مدار عقود من التحول من حركة وطنية مظلتها إرادة التحرر من نير الاحتلال، إلى الصراع على إدارة سلطة تحت الاحتلال، والقبول بمبدأ تأبيد المرحلة الأوسلوية الانتقالية.
يتجلى هذا الترهل في فقدان الزخم الثوري وتحول الكثير من الكوادر إلى بيروقراطيين يديرون أزمات يومية عوضا عن صنع التغيير. وقد أدت الانعكاسات الاقتصادية لحرب الإبادة على غزة وإغلاق سوق العمل الإسرائيلي إلى نتائج مدمرة، تتجلى في مكابدة السلطة لتنفيذ موازنة بدون موارد، وارتفاع سقف البطالة إلى أكثر من 50% في الضفة، والتراجع الحاد للمساعدات الدولية، وانكماش الدعم الإقليمي بفعل التوترات التي قادت إلى الحرب مع إيران وأدواتها، وما يشبه الانهيار الاقتصادي. ناهيك عن نشوء ظروف دولية غير مواتية مثل صعود اليمين العالمي وتراجع اليسار التقليدي، مما أدى إلى تراجع أولويات دعم القضية الفلسطينية إلى ذيل القائمة، ولم يعد بمقدور الحركة الوطنية، التي كانت يوماً رافعة للصمود، التأثير في مبدأ الالتزام برؤية اقتصادية للصمود، أو برنامج مقاطعة فعال للمستوطنات والبضائع الإسرائيلية.
داخلياً، فإن الوضع الحركي أكثر تعقيداً، حيث إن الخلاف التاريخي مع محمد دحلان وتياره لم يُحسم عشية المؤتمر، وتعمقت الفجوة على مر الأيام بين قيادة الحركة والكادر، الذي لا ينفك عن الاستياء وعدم الرضا الواسع من سياسات التهميش والمحاصصة والمحسوبية داخل الأطر الحركية، واستبعاد قيادات حركية مهمة بداعي الاختلاف معها سياسياً وحركياً.  كما تحولت الحركة الأسيرة والمحررون مؤخراً من رافعة حقيقية أصيلة للمشروع التحرري، إلى مجرد «حالات اجتماعية» تُعَان أسوة بباقي الأسر المهمشة في فلسطين، عوضا عن استثمارها كرافعة سياسية ونضالية وفكرية هائلة للحركة، مما أفقد الأخيرة أحد أهم رموز التعبير عن ثوريتها، على الرغم من مشاركة أكثر من 300 أسير محرر في المؤتمر.  وتعكس هذه التحولات أزمة هوية لدى الكادر الحركي ما بين هوية الثائر المكافح بالوسائل كلها لتحرير أرضه ووطنه، وهوية تضع الكادر في موقع المتلقي، وللكثيرين مجرد ملف اجتماعي سويا مع باقي الأسر المهمشة، في ظل احتلال همجي مستمر من الجيش والمستوطنين، والحاجة الماسة لانخراط الكادر برمته في مواجهة هذا العدوان.

السلطة الفلسطينية واللجنة الوطنية لإدارة غزة

أما السلطة الفلسطينية، فوضعها أسوأ، حيث فشلت حتى الآن بالعودة إلى غزة، ولا يوجد قبول إقليمي ودولي لمبدأ إدارتها للقطاع بدلا من حماس (باستثناء بعض الدول العربية كمصر والأردن)، مما أدى إلى تكريس سلطة حماس هناك بعد وقف إطلاق النار، وأفقد السلطة بعمودها الفقري كوادر الحركة، إمكانية الحفاظ على الولاء والتأييد الشعبي للحركة عبر تأمين الموارد المالية والسياسية، ولم تنجح في تشكيل بديل حقيقي لحماس في غزة حتى الآن، بما يعني ذلك من إضعاف لمكانة فتح القيادية في المشروع الوطني. وقد مكّن هذا الفراغ حماس من تعزيز سيطرتها، بينما تكتفي السلطة (مكرهة) بإدارة الضفة تحت الضغط اليومي من المستوطنين وجيش الاحتلال.

إضافة لكل ما سبق، فبينما تؤيد السلطة خطة الـ20 بند لترمب، ورحبت بتشكيل مجلس السلام، ووافقت على التنسيق مع ميلادونوف، فإنها تتخذ موقفاً «خجولاً وأحياناً عدوانياً» من اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي تتألف من شخصيات في معظمها ذات تاريخ عريق في الحركة الوطنية. وعلى الأغلب أن يؤدي ذلك لإضعاف قدرة السلطة على الوصول إلى موارد الإغاثة وإعادة الإعمار واستخدامها لتكريس شرعيتها، أو حتى حصد المباركة سياسياً. ولا أستبعد أن يُضعف ذلك الموقف الفلسطيني أمام المانحين والمجتمع الدولي. هذا الرفض الخجول والموقف السلبي غير المعلن من بعض الأطراف داخل الحركة والسلطة والقيادة العليا، سيدفع اللجنة إلى اتجاهات قد لا تكون مرضية للنظام السياسي الفلسطيني، عوضا عن احتضانها ودعمها، كون العدد الأكبر من أعضائها إما أعضاء أو قريبين من حركة فتح.

آلية اختيار أعضاء المؤتمر والأسئلة الجوهرية

بالعودة إلى المؤتمر، فإن آلية اختيار الأعضاء المشاركين فيه تثير تذمراً واسعاً بين الكادر، خاصة ممن لم يظفروا بها، حيث تكشف القوائم المنشورة اختلالاً واضحاً في منهجية وأسس الاختيار وحقوق التمثيل، ولا يمكن استنباط معايير واضحة أو شفافة مما نُشر لاكتساب العضوية، ويزيد الطين بلة وجود إضافات متفرقة غير مبررة ولا تفسير لها، مما يعمق توجس الكثير من الكوادر غير الممثلة واعتقادهم بأنهم قد أُبعدوا عن المؤتمر لأسباب ليست بريئة، بما فيها ادعاء البعض بممارسة المحسوبية والإقصاء في التمثيل.

لقد كان من الأولى أن يُفرز معظم الأعضاء قاعدياً من الأقاليم والقواعد الشعبية، لا أن يتمخض المؤتمر بطريقة توليفه عن «إعادة إنتاج للسلطة»، كما وصفته بعض التحليلات، ولا بد من اعتماد مبدأ تدافع الأجيال وضخ دم جديد في الأطر الحركية العليا.  ولذلك، فنحن بمواجهة أسئلة جوهرية تستدعي التفكير والإجابة الصريحة:

  1. ما الأساس الذي يُعقد عليه المؤتمر؟ وما الغاية الحقيقية منه؟ هل هو تجديد حقيقي أم إعادة ترتيب للنفوذ داخل الحركة والسلطة؟
  2. ما الأهداف الملموسة التي ستتحقق، وهل تتوافق مع الوظيفة المعلنة لحركة فتح كحركة تحرر وطني؟
  3. ما هي الوظيفة المنتظرة من المؤتمر؟ هل هي منح فرصة للأجيال الشابة للترقي في سلم الحركة والعودة إلى صلب مهام الحركة التحررية، أم تجديد شكلي واستبدال في الأطر القيادية (اللجنة المركزية والمجلس الثوري مثلاً) فقط، أم تغيير مسار؟، وكيف سيتم الاستبدال ووفق أي محددات، وهل ستكون هذه المحددات واضحة ومعروفة للجميع، وهل سيخضع المُنتَخبون لشروط ومواصفات تحافظ على حد أدنى من القدرة والخبرة للقادة الجدد مثل «الكفاءة، النزاهة، الرؤية السياسية»، أم ستقوم على الولاء فقط؟.
  4.  السؤال الأهم والأكبر، هل من الحكمة عقد المؤتمر بدون تحضير جيد وفرز مسؤول للعضوية من القاعدة وحتى القمة، وهل من الممكن عقده بدون طرح برنامج سياسي واضح وغير تقليدي يستجيب للمرحلة وتعقيداتها ومسؤوليات الخروج الآمن منها؟ خاصة في ظل تغول استيطاني إسرائيلي غير مسبوق، ومصادرة أراضٍ شاسعة، وهدم المنازل، وتفشي إرهاب المستوطنين، وانسحاب إسرائيل العملي من اتفاقيات أوسلو.
     

البرنامج والمواضيع الغائبة عن جدول الأعمال

برأيي، لا يوجد برنامج واضح لمواجهة هذا التغول للطرح على المؤتمر، ولا رؤية صريحة وحقيقية لمبدأ الصمود الاقتصادي والسياسي، وليس مطروحاً مسألة البت في مصير المرحلة الانتقالية والسلطة والسعي للانفكاك عن إسرائيل اقتصادياً وسياسياً، ومواجهة تغولها بحقنا، وغير ذلك من تجليات الصمود والتحدي، وخاصة العودة للمنابع بإحياء منظمة التحرير الفلسطينية والكثير من الروافع الوطنية المركونة على الرف حالياً، ولا حتى مجرد قبول لمبدأ المصالحات الداخلية والخارجية لتكريس قيادة الحركة.

في ظل هذه المعطيات والظروف، من غير المؤكد أن يشكل انعقاد المؤتمر رافعة للصمود السياسي والاجتماعي، وقد يتحول إلى محطة إضافية من محطات الشرذمة الداخلية وتكريس مبدأ إدارة الأزمة بدلاً من تجاوزها.
إن المواضيع الغائبة عن جدول أعمال المؤتمر كثيرة وملحة، وكنت أتمنى لو عقدت الحركة حوارات داخلية حثيثة مع كافة أطيافها للإجابة على أسئلة جوهرية ومصيرية مثل:

  1. ما البرنامج المناسب الذي يتسق مع فكرة كون الحركة تقود مشروعاً وطنياً بتفصيلاته وليس الحركة فقط؟
  2. كيف نمأسس ونوفر الموارد والبيئة لبرنامج كفاحي شعبي سلمي لمواجهة الاستيطان (مقاومة شعبية منظمة، توثيق، حملات دولية)؟
  3. كيف نمضي في محاصرة إسرائيل إقليمياً ودولياً وتحميلها تبعات حرب الإبادة؟
  4. كيف نستثمر في تنامي الاعترافات الدولية بفلسطين، والعمل مع تلك الدول على ترجمة اعترافاتها بإجراءات ومواقف ضد إسرائيل في كل ما تقوم به لتقويض القضية الفلسطينية؟
  5. كيف نمضي بمسار وبرنامج تحويل النظام الاقتصادي إلى «اقتصاد صمود» يعتمد على الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على الاحتلال؟
  6. كيف نحيي ونعمق فكرة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل ومنع التجارة والعمل مع المستوطنات؟

    إن كل هذه الأحلام الوردية لن تتحقق ولو بالنزر اليسير، دون تعزيز قدرة السلطة على الصمود تحت الحصار من خلال إصلاحات سياساتية ومالية وإدارية جذرية، وبالتوازي قيادة إصلاحات واسعة في البنية الحركية، أهمها فصل السلطة عن الحركة، تعزيز الشفافية، والإصلاح السياسي بعقد وإحياء منظمة التحرير الفلسطينية وعقد الانتخابات.

 

بعد 3 عقود من قيامها، يجب التوافق على إعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية المؤقتة ورفض ديمومتها، والفصل في مسألة تحولها إدارة مدنية تحت الاحتلال، والعودة بها لتكون نواة دولة فلسطينية قادمة؟. يجب مناقشة جدوى التمسك باتفاقيات أوسلو والمرحلة الانتقالية بعد أن انسحبت إسرائيل منها عملياً. وأخيراً، يجب اتخاذ قرار بعقد الانتخابات العامة بأقرب فرصة خلال هذا العام لتجديد النظام السياسي الفلسطيني، وتفعيل البرلمان الانتقالي، ومنظومة الشفافية والمساءلة والمحاسبة.

 

مخرجات لا بد منها من المؤتمر الثامن

يجب أن يخرج المؤتمر الثامن ببرنامج ملزم وواضح في مركز معالمه: إقرار النظام الداخلي للحركة، وتشكيل لجنة حماية العضوية، وتبني برنامج كفاحي سلمي مركزه مكافحة الاستيطان وحماية المجتمع المحلي، وإعادة صياغة العلاقة مع السلطة لتكون الحركة رافعة لها لا عبئاً عليها، ومنح صلاحيات واسعة للمجلس الثوري كبرلمان للحركة. كما ينبغي إقرار انتخاب قاعدي لعضوية المؤتمر مع رقم ثابت لمجموع الأعضاء، العضاء، االأعضاء وربطها بمهام تنظيمية فعلية. هذه المخرجات قد تحول المؤتمر إلى بدياة تحول ديمقراطية حقيقية.

 

 

الخاتمة: نحو نقطة تحول تاريخية

في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، حيث تترنح القضية الفلسطينية على حافة الهاوية، وتواجه حركة فتح أخطر اختبار في تاريخها منذ انطلاق الثورة، لم يعد المؤتمر الثامن مجرد اجتماع تنظيمي عابر، بل منعطفاً مصيرياً يحدد مصير الحركة والمشروع الوطني بأسره.  وأرى أن الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تتطلب شجاعة فكرية وسياسية استثنائية وإرادة حديدية.  وبدون ذلك على الأغلب أن يكون هذا المؤتمر آخر المطاف.

هذا المؤتمر هو الأصعب والأخطر والأدق منذ انطلاق الثورة، ولذلك يتوجب على كل عضو أن يتجاوز مسألة أين هو في الهيكل الإداري والتشريعي في الحركة، إلى ما هو دوره في إعادة بعث الحركة الوطنية وبوصلتها، لكون فتح في مركز قيادتها. يجب على المؤتمرين أن يكونوا أمينين على مصالحنا الوطنية العليا، ويأخذ كل منهم على عاتقه انتخاب الأفضل والأصلح والأقدر، وعليهم الإصرار أن يكون الانتخاب سرياً وفرز الأصوات علنياً، لتفويت الفرصة على أية نوايا مبيتة بتزوير النتائج. وإن ضمن المؤتمرون ما سبق، سيكون ذلك مكسباً وسابقة تاريخية في التحول الديمقراطي في الحركة.

مخرجات أساسية مطلوبة من المؤتمر الثامن

يجب أن يخرج المؤتمر الثامن بمخرجات ملزمة وواضحة، أبرزها إقرار النظام الداخلي للحركة، وتشكيل لجنة مستقلة لحماية العضوية تمنع التعسف والمحسوبية في الاختيار. كما ينبغي إقرار آلية جديدة لعضوية المؤتمر تقوم على انتخاب قاعدي حقيقي في كل محافظة داخل فلسطين والأقاليم خارجها، مع تحديد رقم ثابت للأعضاء، وربط العضوية بمهام تنظيمية فعلية يمارسها كل عضو في الحركة. هذه المخرجات وحدها قادرة على تحويل المؤتمر من محطة شكلية إلى نقطة تحول ديمقراطية حقيقية.

 

في ظل هذه الظروف المصيرية، يجب أن يفرق المؤتمرون بوضوح بين الوظيفة الحالية للحركة، التي تقوم على إدارة التكيف في ظل أزمات النظام السياسي والسلطة تحت الاحتلال، والحفاظ على الحد الأدنى من الوجود السياسي الفاعل والمشتبك مع النوايا والأفعال العدوانية الإسرائيلية، مقابل الوظيفة المنتظرة كفاحياً وسياسياً واقتصادياً ومجتمعياً، التي تتجلى في قيادة مشروع تحرر وطني متجدد، وبناء اقتصاد صمود، وإعادة تعريف العلاقة مع السلطة بحيث تكون الأخيرة سلطة وطنية مناضلة، ورافعة حقيقية لتحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله بكونها انتقالية وتنتهي بقيام دولة فلسطينية خلال أمد قصير، والإنسحاب من المشهد إن لم يتحقق ذلك.  وننتظر من حركة فتح أن تكون غداة المؤتمر حركة كفاحية تواجه عنف المستوطنين وتقوم مسار السلطة باتجاه النجاح في توطئة الظروف لمرحلة الدولة، واستعادة الثقة الشعبية.  وبدون ذلك، سيبقى المؤتمر مجرد محطة في مسار التشرذم والترهل، بدلاً من أن يكون نقطة تحول تاريخية. وإن الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تتطلب شجاعة تنظيمية وفكرية وسياسية نادرة في زمن الانهيار الوطني.


وأقول للمؤتمرين، يقاس نجاح المؤتمر بمخرجاته وليس بالنجاح في عقده.  لست متفائلاً باختراق يعيد وجه الحركة الذي تربينا عليه، ويبعث الروح النضالية الزاخرة فيها. وأسأل الله أن أكون مخطئاً.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...