الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:13 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:32 PM
العشاء 8:57 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ما بين الفيفا والماراثون

الكاتب: شادي زماعره

في زمن أصبحت فيه الصورة أقوى من الرصاصة، لم تعد الرياضة في فلسطين مجرد لعبة تُلعب داخل الملعب، بل تحولت إلى مساحة صراع على الرواية والوجود والهوية.

فكل لاعب فلسطيني يصل إلى منصة دولية، وكل علم يُرفع في بطولة عالمية، يمثل كابوسا لرواية حاول الاحتلال لعقود أن يفرضها على العالم. ولهذا لم يعد استهداف الفلسطيني يقتصر على الأرض والإنسان، بل امتد إلى الرياضي، والملعب، وحتى الهتاف القادم من المدرجات.

فالاحتلال يدرك أن فلسطين حين تدخل الملاعب الدولية لا تدخل بوصفها فريقا يبحث عن فوز رياضي فقط، بل شعبا يسعى إلى تثبيت حضوره الإنساني والسياسي أمام العالم.

 ومن هنا أصبحت الرياضة الفلسطينية شكلا جديدا من أشكال القوة؛ مقاومة لا تُمارس بالبندقية، بل بالصورة، والحضور، والعلم، والقدرة على الوصول إلى الرأي العام العالمي بلغة يفهمها الجميع دون ترجمة.

خلال السنوات الأخيرة، نجحت الرياضة الفلسطينية في فرض نفسها داخل واحدة من أكثر الساحات العالمية حساسية وتأثيرا: الرياضة الدولية.

 وهنا برز دور الفريق جبريل الرجوب، الذي استطاع أن يتعامل مع الرياضة بوصفها أداة قوة ناعمة، لا مجرد ملف إداري أو نشاط ترفيهي. وما تحقق لم يكن جهدا فرديا، بل عملا مؤسساتيا أدرك مبكرا أن معركة الفلسطيني لا تقتصر على السياسة وحدها، بل تشمل الصورة والرواية والقدرة على الوصول إلى العالم.

في الفيفا، وقف الرجوب أمام ممثلي دول العالم ليتحدث عن استهداف الاحتلال للرياضة الفلسطينية، من قتل لاعبين، ومنع تنقل الفرق، وتدمير الملاعب، وحرمان الرياضيين من أبسط حقوقهم. لم يكن المشهد مجرد مداخلة داخل اجتماع رياضي، بل مواجهة سياسية وأخلاقية مباشرة أمام مؤسسة تعد الأكثر تأثيرا في العالم الرياضي.

لكن اللحظة الأبرز جاءت في مشهد رفض مصافحة ممثل الاحتلال. لحظة قصيرة زمنيا، لكنها كانت شديدة الوضوح سياسيا وأخلاقيا. رسالة قالت إن الفلسطيني، حتى وهو يقف داخل مؤسسة رياضية دولية، لا يمكنه التعامل مع الاحتلال بوصفه أمرا عاديا، ولا أن يتجاوز الدم والمعاناة وكأن شيئا لم يكن.

ما جرى في الفيفا أكد مرة أخرى أن الرياضة لم تعد معزولة عن السياسة، خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث تتحول كل مساحة حضور دولي إلى فرصة لكسر الرواية الإسرائيلية وتقديم صورة الفلسطيني كما هي: شعب يسعى إلى الحرية والحياة والكرامة.

وإذا كانت منصة الفيفا قد منحت فلسطين مساحة مواجهة سياسية مباشرة أمام العالم، فإن شوارع بيت لحم قدمت بعد أيام نموذجا آخر للمقاومة عبر الرياضة، لكن هذه المرة من قلب الشارع الفلسطيني نفسه.

في أي مكان آخر، قد يكون الماراثون حدثا رياضيا أو سياحيا عاديا، أما في فلسطين فله معنى مختلف تماما. آلاف المشاركين من فلسطين والعالم ركضوا قرب الجدار والحواجز العسكرية في مدينة بيت لحم، وشاهدوا بأعينهم كيف يعيش الفلسطيني يوميا تحت الاحتلال، وكيف يتمسك بالحياة رغم كل شيء.

لم يكن ماراثون بيت لحم مجرد سباق، بل صورة سياسية وإنسانية مكتملة. صورة تقول إن الفلسطيني لا يبحث عن الموت، بل عن حقه الطبيعي في أن يعيش بحرية مثل باقي شعوب الأرض. وهذا ما يجعل مثل هذه الفعاليات أكثر قدرة على التأثير في الرأي العام العالمي؛ لأنها تنقل الحقيقة مباشرة، بعيدا عن اللغة السياسية التقليدية.

في التجربة الفلسطينية، أصبحت الرياضة واحدة من أدوات الرواية الوطنية. فمن خلال الملاعب والبطولات والمنصات الدولية، استطاعت فلسطين أن تحجز لنفسها مساحة حضور يصعب على الاحتلال السيطرة عليها أو منعها بالكامل. ولهذا يحاول الاحتلال باستمرار التضييق على الرياضيين الفلسطينيين، لأنه يدرك أن وصول الفلسطيني إلى العالم هو بحد ذاته انتصار سياسي ومعنوي.

ما بين الفيفا والماراثون، تتجسد صورة فلسطين التي تقاوم بالحضور والوعي والحياة. فلسطين التي لا تريد من العالم شفقة عابرة، بل اعترافا بحقها في الحرية والكرامة والوجود.

وحين يخشى الاحتلال عدّاء يحمل علم فلسطين أكثر مما يخشى سباقا رياضيا، فهذا يعني أن الرياضة الفلسطينية نجحت في أن تتحول من لعبة… إلى رواية وطن كاملة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...